الرقابة على دستورية القوانين
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تفسير ارتباط الرقابة على الدستورية بمبدأ سمو الدستور؛
- المقارنة بين الرقابة السياسية والرقابة القضائية؛
- تصنيف تقنيات الرقابة: السابقة واللاحقة، عن طريق الدعوى أو الدفع، المركزة أو المنتشرة؛
- تقديم المحكمة الدستورية المغربية: تأليفها وطرق الإحالة عليها واختصاصاتها؛
- شرح الدفع بعدم دستورية القوانين (الفصل 133).
5.1 سمو الدستور وتراتبية القواعد
صور الفقيه النمساوي هانس كلسن في «النظرية الخالصة للقانون» (1934) النظام القانوني في شكل هرم: تستمد كل قاعدة صحتها من القاعدة الأعلى منها. ويحتل الدستور القمة، تليه المعاهدات، فالقوانين التنظيمية، فالقوانين العادية، فالمراسيم والقرارات، فالقرارات الفردية.
ولا معنى لهذه التراتبية إن لم توجد آلية تعاقب على مخالفة القاعدة الأعلى. فالدستور الجامد الذي يستطيع المشرع مخالفته دون جزاء يصبح مجرد إعلان نوايا. لذلك تعد الرقابة على الدستورية الامتداد المنطقي لجمود الدستور.
تعريف — الرقابة على دستورية القوانين: التحقق من مطابقة قاعدة أدنى، وأساسا القانون، لأحكام الدستور، من طرف هيئة مختصة تستخلص من ذلك النتائج القانونية (منع الإصدار، الإلغاء، أو الامتناع عن التطبيق).
وينص الفصل 6 من دستور 2011 على أن دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها ووجوب نشرها مبادئ ملزمة.
5.2 الرقابة السياسية والرقابة القضائية
الرقابة بواسطة هيئة سياسية تسند المهمة إلى جمعية أو هيئة تتكون من شخصيات سياسية. وقد جربتها فرنسا بمجلس الشيوخ الحامي في دستور السنة الثامنة (1799) دون نجاح كبير، لأن الهيئة السياسية تتردد في مواجهة الأغلبية القريبة منها.
الرقابة بواسطة هيئة قضائية تسند المهمة إلى قاض مستقل ملزم بتعليل قراراته، وهي النموذج السائد اليوم، ولها صيغتان كبيرتان:
| النموذج | مضمونه | أصله |
|---|---|---|
| النموذج الأمريكي (الرقابة المنتشرة) | لكل قاض، بمناسبة نزاع معروض عليه، أن يمتنع عن تطبيق قانون يراه مخالفا للدستور، وتوحد المحكمة العليا الاجتهاد | قرار ماربوري ضد ماديسون للمحكمة العليا الأمريكية سنة 1803 |
| النموذج الأوروبي (الرقابة المركزة) | تختص محكمة دستورية وحدها بالبت في دستورية القوانين | الدستور النمساوي لسنة 1920 بإيحاء من كلسن، ثم إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والمغرب |
5.3 تقنيات الرقابة
| المعيار | الصيغة الأولى | الصيغة الثانية |
|---|---|---|
| التوقيت | رقابة سابقة: قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون | رقابة لاحقة: على قانون ساري المفعول |
| طريقة الإحالة | عن طريق الدعوى الأصلية: تحيل جهة مختصة القانون مباشرة على القاضي الدستوري قصد إلغائه | عن طريق الدفع: يثير متقاض عدم الدستورية أثناء نزاع، للتخلص من تطبيق القانون عليه |
| الجهة | مركزة: محكمة واحدة | منتشرة: كل القضاة |
| الأثر | مطلق: يزول القانون بالنسبة للجميع | نسبي: يستبعد في النزاع فقط |
فالرقابة السابقة تمنع دخول قانون غير دستوري حيز التنفيذ، لكنها لا تسمح بتصحيح قانون قديم. والرقابة اللاحقة تفتح باب القاضي الدستوري أمام المواطنين، مع خطر المساس بالأمن القانوني (زوال قانون طبق لسنوات). لذلك تجمع أغلب الأنظمة الحديثة، ومنها النظام المغربي منذ 2011، بين الصيغتين.
5.4 تطور الرقابة في المغرب
| المرحلة | الهيئة | الخصائص |
|---|---|---|
| 1962 - 1992 | الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى | رقابة محدودة وإحالة ضيقة |
| 1992 - 2011 (نصب سنة 1994) | المجلس الدستوري | رقابة سابقة فقط، وإحالة محصورة في بعض السلطات وأقلية من البرلمانيين |
| منذ 2011 (نصبت سنة 2017) | المحكمة الدستورية (الفصول 129 إلى 134) | رقابة سابقة، ولأول مرة رقابة لاحقة عن طريق الدفع (الفصل 133)؛ القانون التنظيمي 066.13 |
5.5 المحكمة الدستورية المغربية
التأليف (الفصل 130). تتألف من اثني عشر عضوا يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد:
- ستة يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى؛
- ستة ينتخب نصفهم مجلس النواب ونصفهم مجلس المستشارين، بأغلبية ثلثي أعضاء كل مجلس.
ويتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة. ويعين الملك رئيس المحكمة من بين أعضائها. ويختار الأعضاء من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة.
الاختصاصات (الفصل 132).
| نوع الرقابة | موضوعها | الإحالة |
|---|---|---|
| إلزامية سابقة | القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان قبل الشروع في تطبيقها | تلقائية |
| اختيارية سابقة | القوانين العادية قبل إصدار الأمر بتنفيذها | الملك، رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس المستشارين، خمس أعضاء مجلس النواب، أربعون عضوا من أعضاء مجلس المستشارين |
| الالتزامات الدولية | إذا صرحت المحكمة بأن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة عليه لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور (الفصل 55) | الجهات نفسها |
| المنازعات الانتخابية | صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء | المرشحون والناخبون |
وتبت المحكمة داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة، ويخفض إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة. وتؤدي الإحالة إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ.
5.6 الدفع بعدم دستورية القوانين (الفصل 133)
تعريف — الدفع بعدم الدستورية: دفع يثيره أحد الأطراف أثناء النظر في قضية، يدعي فيه أن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.
وهو مستجد أساسي: لأول مرة يمكن لمتقاض أن يحرك رقابة قانون ساري المفعول. ولا يفصل القاضي العادي في المسألة بنفسه، بل تختص بها المحكمة الدستورية وحدها (رقابة مركزة). ويحدد قانون تنظيمي شروط تطبيق هذا الفصل وإجراءاته، وقد عرف مساره صعوبات، إذ صرحت المحكمة الدستورية سنة 2018 بعدم مطابقة بعض مقتضيات صيغته الأولى للدستور. ويتعين التحقق، خاصة، من وضعية دخوله حيز التنفيذ عند المراجعة.
آثار القرارات (الفصل 134). لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ مقتضى صرح بعدم دستوريته على أساس الفصل 132، ولا تطبيقه. ويُنسخ كل مقتضى صرح بعدم دستوريته على أساس الفصل 133 ابتداء من التاريخ الذي تحدده المحكمة في قرارها. ولا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية.
5.7 حدود الرقابة الدستورية ونقاشاتها
تثير الرقابة الدستورية نقاشا قديما: كيف يمكن لقضاة غير منتخبين أن يلغوا قانونا صوت عليه ممثلو الأمة؟ ويجيب أنصارها بأن القاضي الدستوري لا يعارض إرادة الأمة، بل يذكر بأن الدستور نفسه هو التعبير الأسمى عن هذه الإرادة، وأن المشرع العادي ملزم باحترامه. كما يحرص القاضي الدستوري عادة على التحفظ، فلا يراقب ملاءمة القانون بل مطابقته فقط، ويلجأ أحيانا إلى التصريح بالمطابقة مع التحفظ، أي قبول النص بشرط تفسيره على نحو معين.
5.8 المنهجية: حل حالة إحالة على المحكمة الدستورية
- حدد النص المراقب (قانون تنظيمي، قانون عادي، نظام داخلي، التزام دولي).
- حدد هل الرقابة إلزامية أم اختيارية.
- تحقق من أن صاحب الإحالة وارد في لائحة الفصل 132، ومن بلوغ النصاب.
- تحقق من التوقيت: قبل إصدار الأمر بالتنفيذ (الفصل 132) أم أثناء نزاع (الفصل 133).
- حدد أجل البت وآثار القرار (الفصل 134).
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الاعتقاد بأن القاضي العادي المغربي يمكنه استبعاد قانون غير دستوري بنفسه: الرقابة مركزة في يد المحكمة الدستورية.
- نسيان أن رقابة القوانين التنظيمية إلزامية.
- الخلط بين النصابين: خمس النواب، لكن أربعون مستشارا.
- القول إن المحكمة الدستورية موجودة منذ 1992: في 1992 أحدث المجلس الدستوري، والمحكمة أحدثها دستور 2011.
- الخلط بين الأثرين: منع الإصدار (الفصل 132) والنسخ ابتداء من التاريخ الذي تحدده المحكمة (الفصل 133).
Exercice 1 — حالة عملية: الإحالة على المحكمة الدستورية
صادق البرلمان على قانون عادي يقيد حرية تأسيس الجمعيات. وقبل إصدار الأمر بتنفيذه:
- يريد 60 نائبا من المعارضة إحالته على المحكمة الدستورية؛
- ويريد 45 مستشارا القيام بالأمر نفسه؛
- وتريد جمعية حقوقية إحالته أيضا.
وبعد ثلاث سنوات، صدر القانون دون إحالة، وتابعت السلطات جمعية «الأمل» بمكناس على أساسه.
- ما مدى قبول الإحالات الثلاث؟
- في أي أجل تبت المحكمة؟
- ما الطريق المتاح لجمعية «الأمل»؟
Voir le corrigé
1. قبول الإحالات (الفصل 132).
- 60 نائبا: النصاب هو خمس أعضاء مجلس النواب، أي 395 / 5 = 79 نائبا. فإحالة 60 نائبا غير مقبولة.
- 45 مستشارا: النصاب هو أربعون عضوا من مجلس المستشارين. وبما أن 45 أكثر من 40، فالإحالة مقبولة.
- الجمعية الحقوقية: لا ترد ضمن الجهات المؤهلة، فإحالتها غير مقبولة؛ ويمكنها فقط إقناع جهة مؤهلة بالإحالة.
2. الأجل. بما أن إحالة المستشارين مقبولة، تبت المحكمة داخل أجل شهر، أو ثمانية أيام إذا طلبت الحكومة الاستعجال، ويتوقف خلال ذلك أجل إصدار الأمر بالتنفيذ.
3. طريق جمعية «الأمل». القانون ساري المفعول، فلم تعد الرقابة السابقة ممكنة. لكن يمكن للجمعية أن تثير أمام المحكمة التي تنظر في المتابعة دفعا بعدم الدستورية (الفصل 133)، مدعية أن القانون يمس بحرية تأسيس الجمعيات التي يضمنها الدستور (الفصل 12). ولا تبت المحكمة العادية في الدفع، بل تحيله وفق القانون التنظيمي على المحكمة الدستورية. وإذا صرحت هذه الأخيرة بعدم دستورية المقتضى، يُنسخ ابتداء من التاريخ الذي تحدده (الفصل 134).
Exercice 2 — تصنيف تقنيات الرقابة
كيّف من حيث التوقيت وطريقة الإحالة والجهة: 1) رقابة المحكمة الدستورية على القوانين التنظيمية؛ 2) قاض أمريكي ابتدائي يستبعد قانونا في نزاع؛ 3) الدفع بعدم الدستورية وفق الفصل 133.
Voir le corrigé
- سابقة، إحالة تلقائية إلزامية، مركزة، أثر مطلق. 2) لاحقة، عن طريق الدفع، منتشرة، أثر نسبي (مع توحيد المحكمة العليا للاجتهاد). 3) لاحقة، عن طريق دفع يثيره متقاض، لكنها مركزة: المحكمة الدستورية وحدها تبت، وقرارها ينسخ المقتضى بالنسبة للجميع.
Exercice 3 — حساب النصاب
إذا افترضنا أن عدد أعضاء مجلس المستشارين أصبح 90 عضوا، وهو الحد الأدنى الذي يسمح به الدستور، فما النسبة التي يمثلها نصاب الأربعين مستشارا؟ قارنها بنصاب مجلس النواب.
Voir le corrigé
40 / 90 = 44,4 في المائة تقريبا من أعضاء مجلس المستشارين، مقابل 33,3 في المائة إذا كان عدد أعضائه 120، بينما يمثل نصاب مجلس النواب خمس أعضائه، أي 20 في المائة (79 من 395). فنصاب الإحالة محدد بعدد ثابت بالنسبة للمجلس الثاني، وهو أشد نسبيا، ويعكس المكانة المتقدمة لمجلس النواب المنتخب بالاقتراع العام المباشر والذي يمنح الثقة للحكومة.
الخلاصة — الرقابة على الدستورية
- كلسن: تراتبية القواعد؛ الرقابة امتداد لجمود الدستور (الفصل 6).
- رقابة سياسية (ضعيفة الفعالية) ورقابة قضائية (النموذج السائد).
- النموذج الأمريكي: منتشر، عن طريق الدفع، أثر نسبي (ماربوري ضد ماديسون، 1803).
- النموذج الأوروبي: مركز في محكمة دستورية (النمسا، 1920)، أثر مطلق.
- المغرب: الغرفة الدستورية (1962)، المجلس الدستوري (1992، نصب 1994)، المحكمة الدستورية (2011، نصبت 2017، القانون التنظيمي 066.13).
- التأليف (الفصل 130): 12 عضوا، 9 سنوات غير قابلة للتجديد؛ 6 يعينهم الملك و6 ينتخبهم المجلسان بالثلثين؛ تجديد الثلث كل 3 سنوات.
- رقابة إلزامية: القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية؛ اختيارية: القوانين العادية.
- الإحالة: الملك، رئيس الحكومة، رئيسا المجلسين، خمس النواب، 40 مستشارا؛ أجل شهر (8 أيام عند الاستعجال).
- الفصل 133: الدفع بعدم الدستورية أثناء نزاع (الحقوق والحريات)؛ الفصل 134: منع الإصدار أو النسخ من التاريخ المحدد، دون طعن.