المبادئ الدستورية للسلطة القضائية
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف التنظيم القضائي وتحديد مصادره؛
- تتبع المراحل الكبرى لتطور القضاء بالمغرب؛
- شرح الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة في دستور 2011؛
- تحليل ضمانات استقلال القضاة (الفصول 107 إلى 112)؛
- تقديم حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة (الفصول 117 إلى 128)؛
- تطبيق هذه المبادئ على نازلة عملية.
1.1 مفهوم التنظيم القضائي ومصادره
التنظيم القضائي هو مجموعة القواعد التي تحدد بنية المحاكم وأنواعها ودرجاتها، وتأليفها، واختصاصها العام، والنظام الأساسي للقضاة، ووضعية مساعدي القضاء. ويختلف عن:
- المسطرة (المدنية أو الجنائية أو الإدارية): التي تنظم كيفية رفع الدعوى وسيرها والطعن في الأحكام؛
- الاختصاص بمعناه الدقيق: الذي يحدد المحكمة المختصة نوعيا ومحليا بنظر نزاع معين، وهو جسر بين التنظيم والمسطرة.
المصادر:
- الدستور (الباب السابع: «السلطة القضائية»، الفصول 107 إلى 128)؛
- القانونان التنظيميان: 100.13 المتعلق بـالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، و106.13 المتعلق بـالنظام الأساسي للقضاة (2016)؛
- القانون 38.15 المتعلق بـالتنظيم القضائي (2022)، الذي عوض ظهير 15 يوليوز 1974 وجمع شتات النصوص؛
- النصوص الخاصة: القانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، و53.95 المحدث للمحاكم التجارية، و80.03 المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية، و42.10 المتعلق بقضاء القرب، و108.13 المتعلق بالقضاء العسكري، و33.17 المتعلق بنقل رئاسة النيابة العامة؛
- قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية في ما يتعلق بالاختصاص وتأليف الهيئات.
1.2 تطور القضاء بالمغرب
- قبل الحماية: كان القاضي الشرعي يفصل في أغلب النزاعات وفق الفقه المالكي، إلى جانب قضاء المخزن (الباشوات والقواد) في المسائل الجنائية والإدارية، والقضاء العبري لليهود المغاربة في أحوالهم الشخصية، والقضاء القنصلي للأجانب بمقتضى الامتيازات؛
- عهد الحماية (1912-1956): تعددت الأنظمة القضائية: المحاكم الفرنسية في المنطقة السلطانية، والمحاكم الإسبانية في الشمال، والمحكمة المختلطة في طنجة الدولية، إلى جانب المحاكم الشرعية والمخزنية والعرفية في بعض المناطق؛
- بعد الاستقلال: إنشاء المجلس الأعلى سنة 1957، ثم صدور قانون توحيد المحاكم ومغربتها وتعريبها في 26 يناير 1965، الذي ألغى المحاكم الأجنبية وجعل العربية لغة التقاضي واشترط الجنسية المغربية في القضاة؛
- إصلاح 1974: إحداث محاكم الجماعات والمقاطعات (ألغيت سنة 2011 وعوضت بقضاء القرب)، والمحاكم الابتدائية، ومحاكم الاستئناف، وقاعدة القاضي الفرد؛
- التسعينيات: إحداث المحاكم الإدارية (1993) والمحاكم التجارية (1997)؛
- دستور 2011: الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتغيير اسم المجلس الأعلى إلى محكمة النقض (القانون 58.11)، وإحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ ثم ميثاق إصلاح منظومة العدالة (2013) وتحويل رئاسة النيابة العامة (2017) والقانون 38.15 (2022).
1.3 القضاء سلطة مستقلة
الفصل 107: «السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية». فبعد أن كان دستور 1996 يتحدث عن «القضاء» فقط، أصبح القضاء سلطة قائمة الذات، تطبيقا لمبدأ فصل السلط المنصوص عليه في الفصل 1.
مضمون الاستقلال:
- الاستقلال المؤسساتي: أي استقلال السلطة القضائية كجهاز عن السلطتين الأخريين؛ وقد انتقل تدبير الوضعية المهنية للقضاة من وزارة العدل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
- الاستقلال الفردي: أي حرية القاضي في اتخاذ قراره، دون تأثير من الحكومة أو البرلمان أو الأطراف أو الإعلام أو حتى رؤسائه القضائيين في ما يتعلق بمضمون الحكم.
1.4 ضمانات استقلال القضاة
عدم القابلية للعزل والنقل (الفصل 108): «لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون». وهي ضمانة خاصة بـقضاة الأحكام (القضاء الجالس) دون قضاة النيابة العامة.
منع التدخل (الفصل 109):
- يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء؛
- لا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط؛
- يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر على المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
- يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة؛
- يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة.
الخضوع للقانون (الفصل 110): «لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون، ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون». أما قضاة النيابة العامة فيتعين عليهم تطبيق القانون، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.
حرية التعبير والتجمع (الفصل 111): للقضاة الحق في حرية التعبير بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية، ويمكنهم الانتماء إلى جمعيات أو إنشاء جمعيات مهنية، مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء؛ ويمنع عليهم الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية.
النظام الأساسي بقانون تنظيمي (الفصل 112): حتى لا تعدل وضعية القضاة بنص عادي أو تنظيمي.
1.5 حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة
يخصص الدستور بابا فرعيا لـ«حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة»:
- الفصل 117: يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون؛
- الفصل 118: حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون؛ وكل قرار اتخذ في المجال الإداري، تنظيميا كان أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة؛
- الفصل 119: يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به؛
- الفصل 120: لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول؛ وحقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم؛
- الفصل 121: يكون التقاضي مجانيا في الحالات المنصوص عليها قانونا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي؛
- الفصل 122: يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة؛
- الفصل 123: تكون الجلسات علنية ما عدا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك؛
- الفصل 124: تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون؛
- الفصل 125: تكون الأحكام معللة وتصدر في جلسة علنية، وفق الشروط المنصوص عليها في القانون؛
- الفصل 126: الأحكام النهائية ملزمة للجميع، ويجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة لتنفيذها؛
- الفصل 127: لا يمكن إحداث محاكم استثنائية؛ فالمحاكم عادية أو متخصصة يحدثها القانون؛
- الفصل 128: تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق.
1.6 المحاكمة العادلة والأجل المعقول
عناصر المحاكمة العادلة، كما تستفاد من الدستور ومن المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية:
- قاض مستقل ومحايد أحدثه القانون مسبقا؛
- المساواة بين الأطراف أمام القضاء وتكافؤ الأسلحة؛
- الحضورية: حق كل طرف في الاطلاع على حجج خصمه والرد عليها؛
- حقوق الدفاع: الاستعانة بمحام، العلم بالتهمة، الوقت الكافي لإعداد الدفاع، الترجمة عند الحاجة؛
- العلنية والتعليل؛
- الحق في الطعن؛
- الأجل المعقول: يقدر حسب تعقيد القضية وسلوك الأطراف وسلوك السلطات؛ وطول الإجراءات المفرط قد يرتب مسؤولية الدولة.
حياد القاضي: يحميه نظام التجريح (الطعن في القاضي لقرابته أو مصلحته في النزاع أو عداوة بينه وبين أحد الأطراف) والتنحي الذي يقرره القاضي تلقائيا.
1.7 منهجية: تحليل مسألة تتعلق باستقلال القضاء
- حدد الفاعل: من حاول التأثير؟ (وزير، رئيس قضائي، طرف، صحفي).
- حدد صفة القاضي: قاض للأحكام أم قاض للنيابة العامة؟ فالضمانات تختلف (الفصلان 108 و110).
- كيف الفعل: تعليمات، ضغط، نقل، تهديد، تدخل في قضية معروضة؟
- طبق النص: الفصول 107 إلى 111، والقانونان التنظيميان 100.13 و106.13.
- حدد واجب القاضي: الإحالة على المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 109).
- حدد الجزاء: خطأ مهني جسيم للقاضي المخل، عقوبة جنائية لمن حاول التأثير، بطلان الإجراء المخالف.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- القول إن قضاة النيابة العامة غير قابلين للنقل كقضاة الأحكام: الفصل 108 يخص قضاة الأحكام.
- الخلط بين التنظيم القضائي والمسطرة.
- الاعتقاد أن «محكمة النقض» محكمة جديدة: إنها المجلس الأعلى بتسمية جديدة منذ 2011.
- القول إن المغرب يمكن أن يحدث محاكم استثنائية: الفصل 127 يمنع ذلك.
- نسيان أن الأحكام تصدر باسم الملك وأن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية لا جزءا من هيئات الحكم.
Exercice 1 — نازلة
ليلى قاضية بالمحكمة الابتدائية تنظر في نزاع بين جماعة ترابية وشركة خاصة. تلقت مكالمة هاتفية من مسؤول حكومي «يتمنى» أن يصدر الحكم لصالح الجماعة «حفاظا على المال العام». وبعد أيام، نشر رئيس الجماعة تدوينة يتهم فيها القاضية بـ«الانحياز للشركات». وفي الأسبوع الموالي، اقترح عليها رئيس المحكمة شفويا أن «تؤجل الملف» إلى ما بعد الانتخابات. أما ابن عم القاضية فهو مساهم في الشركة.
- كيف تكيف المكالمة الهاتفية؟ وما واجب القاضية؟
- ما حكم تدوينة رئيس الجماعة؟
- هل يحق لرئيس المحكمة توجيه هذا الاقتراح؟
- ماذا يترتب على قرابة القاضية بأحد المساهمين؟
Voir le corrigé
1. المكالمة. تشكل تدخلا في قضية معروضة على القضاء، وهو ممنوع بمقتضى الفصل 109 («يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء»)؛ ولا يغير من ذلك استعمال صيغة «التمني». وبما أن ليلى قاضية للأحكام، فهي لا تتلقى أي أوامر أو تعليمات (الفصلان 109 و110). وواجبها إحالة الأمر على المجلس الأعلى للسلطة القضائية لأنها تعتبر استقلالها مهددا؛ وإن هي استجابت، عد ذلك خطأ مهنيا جسيما. ويعرض المسؤول الحكومي نفسه للعقوبات التي يقررها القانون لمن حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة.
2. التدوينة. حرية التعبير مضمونة، لكن لا يجوز أن تتحول إلى ضغط على قاض في قضية جارية أو إلى تحقير للمقررات القضائية؛ فالتدوينة قد تشكل محاولة للتأثير على القضاء، وقد تكون موضوع متابعة إذا تضمنت قذفا أو إهانة لهيئة قضائية. وتستطيع القاضية إحالة الأمر على المجلس.
3. اقتراح رئيس المحكمة. للرئيس صلاحيات إدارية في توزيع القضايا وتنظيم الجلسات وتتبع آجال البت، لكنه لا يملك التدخل في مضمون القرار ولا في توقيت البت لاعتبارات سياسية؛ فاقتراح التأجيل إلى ما بعد الانتخابات تدخل في الاستقلال الفردي للقاضية، ولا يلزمها، ويمكنها إحالته على المجلس.
4. القرابة. وجود مصلحة لأحد أقارب القاضية في النزاع سبب من أسباب التجريح (الطعن في حياد القاضي) ويستوجب التنحي؛ فعلى ليلى أن تتنحى تلقائيا وتخبر رئيس المحكمة ليعين قاضيا آخر، ضمانا للحياد الذي تقتضيه المحاكمة العادلة (الفصل 120). وإن لم تتنح، أمكن للجماعة تجريحها.
Exercice 2 — أي فصل؟
حدد الفصل الدستوري: 1) حكم صدر دون تعليل؛ 2) شخص ظل معتقلا ثماني سنوات قبل الحكم ببراءته بسبب خطأ؛ 3) إحداث «محكمة خاصة» لمحاكمة متهمين في قضية بعينها؛ 4) رفض الإدارة تنفيذ حكم نهائي.
Voir le corrigé
- الفصل 125 (التعليل)؛ 2) الفصل 122 (التعويض عن الخطأ القضائي) و120 (الأجل المعقول)؛ 3) الفصل 127 (منع المحاكم الاستثنائية)؛ 4) الفصل 126 (إلزامية الأحكام النهائية للجميع).
Exercice 3 — صح أم خطأ؟
- يمكن نقل وكيل الملك دون الضمانات المقررة لقضاة الأحكام في الفصل 108؛ 2) يمكن للقاضي الانخراط في حزب سياسي إذا لم يترشح؛ 3) دستور 1996 كان يتحدث عن «السلطة القضائية»؛ 4) الأحكام تصدر باسم الشعب.
Voir le corrigé
- صحيح: الفصل 108 يخص قضاة الأحكام، مع خضوع نقل قضاة النيابة العامة لمقتضيات النظام الأساسي ولقرارات المجلس؛ 2) خطأ: الانخراط في الأحزاب ممنوع (111)؛ 3) خطأ: كان يتحدث عن «القضاء»؛ 4) خطأ: باسم الملك (124).
الخلاصة — المبادئ الدستورية للسلطة القضائية
- التنظيم القضائي: بنية المحاكم وتأليفها واختصاصها ونظام القضاة ومساعديهم؛ يختلف عن المسطرة.
- المصادر: الدستور (الباب السابع)، القانونان التنظيميان 100.13 و106.13، القانون 38.15 (2022)، النصوص الخاصة (41.90، 53.95، 80.03، 42.10، 108.13، 33.17).
- التطور: القضاء الشرعي والمخزني، تعدد الأنظمة في الحماية، المجلس الأعلى 1957، قانون التوحيد والمغربة والتعريب 1965، إصلاح 1974، المحاكم الإدارية (1993) والتجارية (1997)، دستور 2011 ومحكمة النقض.
- الفصل 107: سلطة مستقلة، والملك ضامن استقلالها؛ استقلال مؤسساتي وفردي.
- الضمانات: عدم عزل قضاة الأحكام ونقلهم إلا بقانون (108)؛ منع التدخل والتعليمات، الإحالة على المجلس، الإخلال خطأ جسيم (109)؛ الخضوع للقانون، والنيابة العامة للتعليمات الكتابية القانونية (110)؛ حرية التعبير والجمعيات المهنية ومنع الأحزاب والنقابات (111).
- حقوق المتقاضين: حق التقاضي والطعن في القرارات الإدارية (118)، قرينة البراءة (119)، المحاكمة العادلة والأجل المعقول (120)، المجانية لغير القادرين (121)، التعويض عن الخطأ القضائي (122)، العلنية (123)، الأحكام باسم الملك (124) ومعللة (125)، إلزامية الأحكام (126)، لا محاكم استثنائية (127)، الشرطة القضائية تحت النيابة العامة (128).