الدولة فاعلا مركزيا: القوة والسياسة الخارجية
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- شرح مركزية الدولة في العلاقات الدولية؛
- قياس قوة الدولة بعناصرها المادية وغير المادية؛
- تعداد أدوات السياسة الخارجية: الدبلوماسية، الاقتصاد، القوة العسكرية، القوة الناعمة؛
- تحليل عملية صنع قرار السياسة الخارجية؛
- تقديم الإطار الدستوري والمحاور الكبرى للسياسة الخارجية المغربية.
4.1 الدولة فاعلا مركزيا
رغم تزايد دور الفاعلين من غير الدول، تبقى الدولة الفاعل الرئيسي في العلاقات الدولية، لأنها:
- تتمتع بـالسيادة: لا تخضع لأي سلطة أعلى، وتعترف بها الدول الأخرى؛
- تحتكر العنف المشروع على إقليمها (ماكس فيبر)، وتملك الجيوش؛
- هي الشخص الرئيسي في القانون الدولي: تبرم المعاهدات، وتنشئ المنظمات الدولية، وتنضم إليها، وتتحمل المسؤولية الدولية؛
- تمثل الشعوب وتتحدث باسمها.
أركان الدولة: يعرف القانون الدولي الدولة بثلاثة أركان: الشعب، الإقليم، السلطة السياسية ذات السيادة (اتفاقية مونتيفيديو لسنة 1933)؛ ويضيف البعض القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى، والاعتراف الدولي (درس في القانون الدستوري، S1).
تفاوت الدول: الدول متساوية قانونا لكنها غير متساوية فعليا: تختلف من حيث المساحة والسكان والاقتصاد والقوة العسكرية. ولذلك يميز الباحثون بين القوى العظمى، القوى الكبرى، القوى الإقليمية أو المتوسطة، والدول الصغيرة؛ وتظهر أيضا الدول الفاشلة أو الهشة التي لا تستطيع ممارسة سلطتها على كامل إقليمها (الصومال، ليبيا في بعض المراحل، دول الساحل).
4.2 قياس القوة
القوة هي قدرة الدولة على التأثير في سلوك الآخرين لتحقيق أهدافها. ويميز الباحثون بين:
عناصر القوة المادية (القوة الصلبة):
- الجغرافيا: الموقع (الوصول إلى البحار، المضايق، الحدود)، المساحة، الموارد الطبيعية (النفط، الغاز، الفوسفاط: يمتلك المغرب أكبر احتياطي عالمي من الفوسفاط)؛
- السكان: العدد، الشباب، مستوى التعليم والتكوين؛
- الاقتصاد: الناتج الداخلي الخام، التجارة، الصناعة، التكنولوجيا، العملة؛
- القوة العسكرية: عدد الجنود، الأسلحة، الميزانية العسكرية، السلاح النووي، القدرة على التدخل في الخارج.
عناصر القوة غير المادية:
- الاستقرار السياسي وشرعية النظام وقدرة الدولة على التعبئة؛
- الدبلوماسية: جودة الدبلوماسيين والتحالفات؛
- القوة الناعمة (جوزيف ناي): قدرة الدولة على جذب الآخرين وإقناعهم بدل إكراههم، عبر الثقافة (السينما، الموسيقى، الرياضة)، القيم (الديمقراطية، حقوق الإنسان)، النموذج السياسي والاقتصادي، التعليم (استقبال الطلبة الأجانب)، الدين والتراث؛
- القوة الذكية: الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.
صعوبات القياس: القوة نسبية (تقاس بالمقارنة مع الآخرين)، سياقية (القوة العسكرية لا تنفع في التفاوض التجاري)، ومتغيرة؛ وامتلاك الموارد لا يعني دائما القدرة على تحويلها إلى نفوذ (فشل قوى كبرى في حروب غير متكافئة).
4.3 أدوات السياسة الخارجية
السياسة الخارجية هي مجموع الأهداف والقرارات والأفعال التي تعتمدها دولة في علاقاتها مع محيطها الخارجي. وتستعمل الدولة أدوات متعددة:
الدبلوماسية: الأداة الرئيسية في زمن السلم، وهي فن التفاوض والتمثيل:
- الدبلوماسية الثنائية: السفارات والقنصليات، المنظمة باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) والعلاقات القنصلية (1963)؛
- الدبلوماسية المتعددة الأطراف: داخل المنظمات الدولية والمؤتمرات (الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، مؤتمرات المناخ)؛
- دبلوماسية القمة: لقاءات رؤساء الدول؛
- الدبلوماسية الموازية: البرلمانية، الحزبية، الاقتصادية، الثقافية، الرياضية، الدينية، ودبلوماسية الجماعات الترابية والمجتمع المدني.
الأدوات الاقتصادية:
- الإيجابية: المساعدات التنموية، القروض، الاستثمارات، الاتفاقيات التجارية التفضيلية؛
- السلبية: العقوبات الاقتصادية، الحظر، تجميد الأصول، الرسوم الجمركية.
القوة العسكرية: الردع، التهديد باستعمال القوة، التحالفات العسكرية، صفقات السلاح، المشاركة في عمليات حفظ السلام (يشارك المغرب منذ 1960 في عمليات أممية في الكونغو والبوسنة وكوت ديفوار وجمهورية إفريقيا الوسطى وغيرها)، واستعمال القوة في الحالات القصوى، مع احترام القانون الدولي (المادة 2، الفقرة 4، من الميثاق).
القوة الناعمة: الإشعاع الثقافي، البرامج التعليمية والمنح، الإعلام الدولي، الدبلوماسية الدينية (تكوين الأئمة الأفارقة في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات)، الأحداث الرياضية الكبرى (تنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال).
4.4 من يصنع قرار السياسة الخارجية؟
لا تتصرف الدولة دائما كفاعل موحد وعقلاني كما تفترض الواقعية. فقد بينت دراسات صنع القرار تعدد المتدخلين:
- نموذج الفاعل العقلاني: تختار الدولة الخيار الأفضل بعد مقارنة التكاليف والمنافع؛
- نموذج السياسة البيروقراطية (غراهام أليسون، جوهر القرار، 1971، حول أزمة الصواريخ الكوبية): القرار نتيجة مساومة بين إدارات ومسؤولين لكل منهم مصالحه (الخارجية، الدفاع، الاستخبارات، المالية)؛
- نموذج السلوك التنظيمي: تتبع الإدارات إجراءات روتينية تحد من الخيارات. وتتأثر السياسة الخارجية أيضا بـالرأي العام، ووسائل الإعلام، وجماعات الضغط، والأحزاب، والبرلمان، وشخصية القادة وتصوراتهم، والثقافة الاستراتيجية للدولة.
4.5 السياسة الخارجية للمغرب: الإطار الدستوري والمحاور الكبرى
الإطار الدستوري:
- الملك، رئيس الدولة وممثلها الأسمى (الفصل 42)، يحدد التوجهات الاستراتيجية للسياسة الخارجية في المجلس الوزاري (الفصل 49)؛ ويعتمد السفراء، ويوقع على المعاهدات ويصادق عليها (الفصل 55)؛ وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية (الفصل 53)؛
- الحكومة تنفذ السياسة الخارجية، خاصة عبر وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج؛
- البرلمان يوافق بقانون على المعاهدات المتعلقة بالسلم والاتحاد، والحدود، والتجارة، والمعاهدات التي تترتب عليها تكاليف مالية أو تمس الحقوق (الفصل 55)؛ ويمارس الدبلوماسية البرلمانية؛
- المحكمة الدستورية يمكن أن تراقب مطابقة الالتزامات الدولية للدستور (الفصل 55).
الثوابت والمحاور الكبرى (تصدير الدستور والممارسة):
- الوحدة الترابية: قضية الصحراء المغربية هي الأولوية الأولى؛ وقد اقترح المغرب سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، التي حظيت بدعم متزايد من دول كثيرة، وأعلنت دول عديدة عن مواقف داعمة لها وفتحت قنصليات في العيون والداخلة؛
- البعد الإفريقي: العودة إلى الاتحاد الإفريقي (2017)، الاستثمارات، التعاون جنوب-جنوب، مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، المبادرة الأطلسية لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط؛
- الشراكة مع أوروبا: اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (1996، دخل حيز التنفيذ سنة 2000)، الوضع المتقدم (2008)، التعاون في الهجرة والطاقة والأمن؛
- العالم العربي والإسلامي: رئاسة لجنة القدس، العلاقات مع دول الخليج، الاتحاد المغاربي (معاهدة مراكش، 1989) المعطل؛
- تنويع الشراكات: الولايات المتحدة (اتفاق التبادل الحر، 2004)، الصين، روسيا، الهند، أمريكا اللاتينية؛
- القضايا الشاملة: مكافحة الإرهاب، الهجرة (الميثاق العالمي للهجرة، مراكش 2018)، المناخ (COP22 سنة 2016)، الطاقات المتجددة.
الدبلوماسية الاقتصادية والمغاربة المقيمون بالخارج: أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية من أولويات السياسة الخارجية المغربية: جلب الاستثمارات الأجنبية (صناعة السيارات في طنجة والقنيطرة، صناعة الطيران)، فتح أسواق جديدة للصادرات، الترويج للمغرب كمنصة بين أوروبا وإفريقيا (ميناء طنجة المتوسط). كما تحظى الجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تقدر بأكثر من خمسة ملايين شخص، بمكانة خاصة: يكرس الدستور حقوقها ومشاركتها (الفصلان 16 و17)، وتساهم تحويلاتها المالية بنسبة مهمة في الاقتصاد الوطني، وتشكل جسرا إنسانيا وثقافيا مع دول الإقامة. وتعمل مؤسسات مثل مجلس الجالية المغربية بالخارج (الفصل 163) ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج على الحفاظ على الروابط مع الوطن.
4.6 منهجية: تحليل السياسة الخارجية لدولة
- حدد الأهداف (المصلحة الوطنية): الأمن، الوحدة الترابية، التنمية، المكانة.
- قيم القدرات: عناصر القوة المادية وغير المادية.
- حدد الأدوات المستعملة: دبلوماسية، اقتصادية، عسكرية، ناعمة.
- حلل صنع القرار: الفاعلون الدستوريون، البيروقراطية، الرأي العام.
- ضع السياسة في سياقها: النظام الدولي والإقليمي، وقيم نتائجها.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين المساواة القانونية بين الدول والمساواة الفعلية في القوة.
- حصر القوة في القوة العسكرية: القوة الاقتصادية والناعمة لها دور حاسم.
- افتراض أن الدولة فاعل موحد دائما: صنع القرار عملية معقدة.
- إغفال الإطار الدستوري للسياسة الخارجية المغربية (الفصول 42 و49 و55).
- تقديم السياسة الخارجية المغربية كمجموعة أحداث معزولة دون ربطها بالثوابت.
Exercice 1 — أدوات السياسة الخارجية المغربية
صنف الوقائع الآتية حسب أداة السياسة الخارجية المستعملة، وحدد الهدف المتوخى منها:
- فتح عدد من الدول الإفريقية والعربية قنصليات في العيون والداخلة.
- استثمارات المكتب الشريف للفوسفاط في مصانع الأسمدة في إثيوبيا ونيجيريا.
- مشاركة القوات المسلحة الملكية في بعثة الأمم المتحدة في جمهورية إفريقيا الوسطى.
- تكوين الأئمة من مالي والسنغال وكوت ديفوار في الرباط.
- الترشح المشترك مع إسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030.
Voir le corrigé
1. القنصليات. أداة دبلوماسية: فتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية تعبير عن الاعتراف بالسيادة المغربية عليها، وهو نتيجة لنشاط دبلوماسي ثنائي ومتعدد الأطراف. الهدف: الدفاع عن الوحدة الترابية، أولوية السياسة الخارجية المغربية.
2. استثمارات الفوسفاط. أداة اقتصادية إيجابية (الاستثمار، التعاون جنوب-جنوب)، يقوم بها فاعل عمومي اقتصادي. الهدف: تعزيز الحضور الاقتصادي المغربي في إفريقيا، وضمان الأمن الغذائي الإفريقي عبر الأسمدة، وبناء شبكة مصالح تدعم المواقف السياسية للمغرب.
3. حفظ السلام. أداة عسكرية في إطار متعدد الأطراف (الأمم المتحدة). الهدف: المساهمة في السلم والأمن الدوليين كما يلتزم بذلك تصدير الدستور، وتعزيز صورة المغرب كفاعل مسؤول، وتقوية حضوره الإفريقي.
4. تكوين الأئمة. أداة قوة ناعمة (الدبلوماسية الدينية)، تستند إلى المرجعية المشتركة: المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف، وإلى صفة أمير المؤمنين. الهدف: مكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز الروابط الروحية والتاريخية مع إفريقيا جنوب الصحراء.
5. كأس العالم 2030. أداة قوة ناعمة (الدبلوماسية الرياضية) واقتصادية (البنيات التحتية، السياحة). الهدف: تحسين الصورة الدولية للمغرب، وتعزيز الشراكة مع أوروبا (إسبانيا والبرتغال)، وتسريع التنمية في المدن المستضيفة. ويظهر هذا المثال كيف تجمع السياسة الخارجية الحديثة بين عدة أدوات (القوة الذكية).
Exercice 2 — قوة صلبة أم ناعمة؟
- امتلاك أسلحة نووية؛ 2) جاذبية الجامعات الأمريكية للطلبة الأجانب؛ 3) فرض رسوم جمركية على واردات دولة منافسة؛ 4) انتشار الموسيقى والمسلسلات الكورية في العالم؛ 5) تقديم منح دراسية لطلبة أفارقة.
Voir le corrigé
- صلبة (عسكرية). 2) ناعمة (التعليم، النموذج). 3) صلبة (اقتصادية سلبية). 4) ناعمة (ثقافة). 5) ناعمة، مع بعد اقتصادي (التعاون).
Exercice 3 — صنع القرار
حسب الدستور المغربي، من: 1) يحدد التوجهات الاستراتيجية للسياسة الخارجية؟ 2) يعتمد السفراء؟ 3) يوافق بقانون على معاهدة تتعلق بالحدود؟ 4) ينفذ السياسة الخارجية يوميا؟
Voir le corrigé
- الملك في المجلس الوزاري (الفصل 49). 2) الملك (الفصل 55). 3) البرلمان بقانون قبل المصادقة (الفصل 55). 4) الحكومة، خاصة وزارة الشؤون الخارجية.
الخلاصة — الدولة والقوة والسياسة الخارجية
- الدولة الفاعل الرئيسي: السيادة، احتكار العنف المشروع، شخص القانون الدولي؛ أركانها: الشعب، الإقليم، السلطة (مونتيفيديو 1933)؛ متساوية قانونا غير متساوية فعليا؛ الدول الهشة.
- القوة الصلبة: الجغرافيا والموارد (الفوسفاط)، السكان، الاقتصاد، القوة العسكرية؛ غير المادية: الاستقرار، الدبلوماسية، القوة الناعمة (ناي: الجذب بالثقافة والقيم والنموذج)، القوة الذكية.
- القوة نسبية وسياقية ومتغيرة.
- الأدوات: الدبلوماسية (ثنائية: اتفاقيتا فيينا 1961 و1963؛ متعددة الأطراف؛ القمة؛ الموازية)، الاقتصاد (مساعدات، استثمارات، عقوبات)، القوة العسكرية (الردع، التحالفات، حفظ السلام منذ 1960)، القوة الناعمة.
- صنع القرار: الفاعل العقلاني، السياسة البيروقراطية (أليسون 1971)، السلوك التنظيمي؛ الرأي العام، الإعلام، الضغط، القادة.
- الإطار الدستوري المغربي: الملك (الفصول 42 و49 و53 و55)، الحكومة ووزارة الخارجية، البرلمان (الموافقة على بعض المعاهدات)، المحكمة الدستورية.
- المحاور: الوحدة الترابية (مبادرة الحكم الذاتي 2007، القنصليات)، البعد الإفريقي (2017، أنبوب الغاز، المبادرة الأطلسية)، أوروبا (اتفاق الشراكة، الوضع المتقدم 2008)، العالم العربي (لجنة القدس، الاتحاد المغاربي 1989)، تنويع الشراكات، القضايا الشاملة (COP22، الميثاق العالمي للهجرة 2018).
- المنهج: الأهداف، القدرات، الأدوات، صنع القرار، السياق والتقييم.