تشكل النظام الدولي: من وستفاليا إلى اليوم
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- شرح أهمية معاهدات وستفاليا (1648) في نشأة النظام الدولي الحديث؛
- تقديم الوفاق الأوروبي وتوازن القوى في القرن التاسع عشر؛
- تحليل أسباب فشل عصبة الأمم؛
- شرح بنية النظام الثنائي القطبية خلال الحرب الباردة؛
- مناقشة طبيعة النظام الدولي بعد 1991.
2.1 معاهدات وستفاليا (1648): ميلاد النظام بين الدول
السياق: عرفت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر حروبا دينية مدمرة بين الكاثوليك والبروتستانت، كان آخرها حرب الثلاثين عاما (1618-1648) التي خربت ألمانيا وأوروبا الوسطى. ووضعت معاهدات وستفاليا (مونستر وأوسنابروك، 1648) حدا لهذه الحرب.
المبادئ: يعتبر النظام الذي نشأ عن وستفاليا أساس النظام الدولي الحديث، ويقوم على:
- سيادة الدولة: كل دولة صاحبة السلطة العليا على إقليمها، ولا تخضع لسلطة أعلى (لا للبابا ولا للإمبراطور)؛
- المساواة القانونية بين الدول ذات السيادة، أيا كان حجمها؛
- عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما فيها الشؤون الدينية (يحدد الأمير دين إمارته)؛
- توازن القوى: منع أي دولة من الهيمنة على الآخرين.
الحدود: كان النظام الوستفالي أوروبيا في نشأته، ولم يشمل بقية العالم إلا تدريجيا، عبر الاستعمار ثم إنهاء الاستعمار. وقد عرفت مناطق أخرى أنظمة مختلفة (الإمبراطورية العثمانية، النظام الصيني القائم على الولاء، الدولة المغربية بتقاليد البيعة والسيادة الخاصة بها).
2.2 القرن التاسع عشر: الوفاق الأوروبي وتوازن القوى
مؤتمر فيينا (1815): بعد هزيمة نابليون، اجتمعت القوى الكبرى (النمسا، بريطانيا، بروسيا، روسيا، ثم فرنسا) لإعادة تنظيم أوروبا على أساس الشرعية الملكية وتوازن القوى. وأنشأت الوفاق الأوروبي: نظام تشاور دوري بين القوى الكبرى لمعالجة الأزمات ومنع الحروب الكبرى.
الحصيلة: عرفت أوروبا قرنا من السلم النسبي (1815-1914) دون حرب عامة، رغم حروب محدودة (حرب القرم، الحروب الإيطالية والألمانية). لكن هذا النظام اقترن بـالتوسع الاستعماري الأوروبي في إفريقيا وآسيا: مؤتمر برلين (1884-1885) نظم اقتسام إفريقيا، ومؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) فرض على المغرب نظاما دوليا مهد لـالحماية الفرنسية والإسبانية (معاهدة فاس، 30 مارس 1912).
الانهيار: ساهم صعود ألمانيا الموحدة (1871)، وتشكل تحالفين متعارضين (الحلف الثلاثي والوفاق الثلاثي)، وسباق التسلح، والقوميات في البلقان، في اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، التي خلفت ملايين القتلى وأنهت أربع إمبراطوريات (الألمانية، النمساوية المجرية، الروسية، العثمانية).
2.3 ما بين الحربين: عصبة الأمم وفشلها
الإنشاء: بمبادرة من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (النقاط الأربع عشرة، 1918)، أنشأ ميثاق عصبة الأمم، المدرج في معاهدة فرساي (1919)، أول منظمة دولية ذات طابع عالمي مكلفة بـالحفاظ على السلم، ومقرها جنيف. وقامت على فكرة الأمن الجماعي: الاعتداء على عضو يعتبر اعتداء على الجميع.
أسباب الفشل:
- غياب الولايات المتحدة: رفض مجلس الشيوخ الأمريكي التصديق على معاهدة فرساي؛
- ضعف الوسائل: غياب قوة عسكرية، وضرورة الإجماع في القرارات المهمة؛
- انسحاب القوى المعتدية أو طردها: اليابان وألمانيا (1933)، إيطاليا (1937)، الاتحاد السوفياتي (طرد سنة 1939)؛
- العجز أمام الاعتداءات: غزو اليابان لمنشوريا (1931)، غزو إيطاليا لإثيوبيا (1935)، توسع ألمانيا النازية؛
- الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 وصعود الأنظمة الشمولية. وانتهى الأمر باندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945).
الإرث: رغم فشلها، تركت العصبة تجربة مؤسساتية (أمانة دائمة، المحكمة الدائمة للعدل الدولي، منظمة العمل الدولية سنة 1919) استفادت منها الأمم المتحدة.
2.4 سنة 1945: إنشاء منظمة الأمم المتحدة
الإنشاء: وقع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في 26 يونيو 1945، ودخل حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945. وأرادت القوى المنتصرة أن تتجنب أخطاء العصبة:
- منع استعمال القوة في العلاقات الدولية (المادة 2، الفقرة 4)، إلا في حالة الدفاع الشرعي (المادة 51) أو بقرار من مجلس الأمن؛
- مجلس الأمن بخمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق الفيتو (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي ثم روسيا، المملكة المتحدة، فرنسا، الصين)، ويمكنه اتخاذ قرارات ملزمة واللجوء إلى القوة (الفصل السابع)؛
- العالمية: أصبحت المنظمة تضم 193 دولة عضوا اليوم؛ وانضم إليها المغرب في 12 نونبر 1956. ويدرس دور الأمم المتحدة في الفصل الخامس.
مؤسسات بريتون وودز (1944): صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ثم الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات، 1947) التي تحولت إلى منظمة التجارة العالمية (1995)، لتنظيم الاقتصاد العالمي.
2.5 الحرب الباردة (1947-1991): نظام ثنائي القطبية
البنية: انقسم العالم بعد 1945 إلى معسكرين:
- المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة: الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية، مخطط مارشال (1947)، حلف شمال الأطلسي (1949)؛
- المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي: الشيوعية والتخطيط، حلف وارسو (1955). وتحدث ونستون تشرشل عن «الستار الحديدي» الذي يقسم أوروبا (1946).
الخصائص:
- الردع النووي: امتلاك القوتين للسلاح النووي جعل الحرب المباشرة بينهما مستحيلة بسبب خطر التدمير المتبادل المؤكد؛
- الحروب بالوكالة في العالم الثالث (كوريا 1950-1953، الفيتنام، أفغانستان)؛
- الأزمات الكبرى (برلين 1948 و1961، أزمة الصواريخ الكوبية 1962)؛
- فترات الانفراج (اتفاقيات الحد من الأسلحة، مؤتمر هلسنكي 1975).
العالم الثالث وعدم الانحياز: تزامنت الحرب الباردة مع إنهاء الاستعمار: استقل المغرب في 1956، والجزائر في 1962، ومعظم الدول الإفريقية في الستينات. وسعت الدول الجديدة إلى الابتعاد عن المعسكرين عبر مؤتمر باندونغ (1955) وحركة عدم الانحياز (بلغراد، 1961)، التي كان المغرب من مؤسسيها.
النهاية: انتهت الحرب الباردة بـسقوط جدار برلين (9 نونبر 1989)، وتوحيد ألمانيا (1990)، ثم تفكك الاتحاد السوفياتي (دجنبر 1991).
2.6 ما بعد الحرب الباردة: نظام أحادي القطبية ثم متعدد الأقطاب؟
لحظة القطب الواحد: بعد 1991، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، وتحدث الرئيس بوش الأب عن «نظام عالمي جديد» (حرب الخليج، 1991). وتنبأ فرانسيس فوكوياما بـ«نهاية التاريخ» وانتصار الديمقراطية الليبرالية، بينما توقع صامويل هنتنغتون «صدام الحضارات».
التحولات:
- هجمات 11 شتنبر 2001 والحرب على الإرهاب (أفغانستان 2001، العراق 2003)؛
- صعود الصين لتصبح ثاني اقتصاد عالمي، وعودة روسيا (جورجيا 2008، القرم 2014، الحرب في أوكرانيا منذ فبراير 2022)؛
- صعود القوى الناشئة (الهند، البرازيل، تركيا، دول الخليج) وتوسع مجموعة بريكس؛
- الأزمة المالية لسنة 2008 وتشكل مجموعة العشرين؛
- الربيع العربي (2011) وتحولاته.
النقاش حول طبيعة النظام الحالي: يتحدث بعض الباحثين عن نظام متعدد الأقطاب (عدة قوى كبرى)، وآخرون عن ثنائية قطبية جديدة بين الولايات المتحدة والصين، وآخرون عن نظام لاقطبي أو مجزأ، لا تهيمن فيه أي قوة، مع تزايد دور الفاعلين من غير الدول.
2.7 منهجية: تحديد خصائص نظام دولي
- حدد الفترة وحدودها الزمنية (أحداث البداية والنهاية).
- حدد الفاعلين الرئيسيين وتوزيع القوة بينهم (عدد الأقطاب).
- حدد قواعد اللعبة: المبادئ (السيادة، توازن القوى، الأمن الجماعي)، المؤسسات، التحالفات.
- حدد مصادر الاستقرار والتوتر (الردع، التوازن، الأزمات).
- قارن مع الأنظمة السابقة والحالية.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- اعتبار النظام الوستفالي نظاما عالميا منذ 1648: كان أوروبيا في نشأته.
- نسيان أن السلم الأوروبي في القرن التاسع عشر اقترن بالتوسع الاستعماري.
- تفسير فشل عصبة الأمم بسبب واحد: الأسباب متعددة (غياب الولايات المتحدة، الإجماع، غياب القوة، الأزمة الاقتصادية).
- اعتبار الحرب الباردة حربا مباشرة بين القوتين: كانت ردعا نوويا وحروبا بالوكالة.
- الجزم بطبيعة النظام الحالي: الموضوع محل نقاش بين الباحثين.
Exercice 1 — مقارنة بين عصبة الأمم والأمم المتحدة
قارن بين عصبة الأمم والأمم المتحدة من حيث: 1) ظروف الإنشاء؛ 2) العضوية؛ 3) آليات حفظ السلم؛ 4) أسباب النجاح أو الفشل.
Voir le corrigé
1. ظروف الإنشاء. أنشئت عصبة الأمم سنة 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، بمبادرة من الرئيس ويلسون، وأدرج ميثاقها في معاهدة فرساي، فارتبطت في أذهان المنهزمين بـ«سلام المنتصرين». وأنشئت الأمم المتحدة سنة 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، بميثاق مستقل وقع في سان فرانسيسكو، وقد استفاد واضعوه من دروس فشل العصبة.
2. العضوية. لم تنضم الولايات المتحدة إلى العصبة، وانسحبت منها أو طردت عدة قوى (اليابان، ألمانيا، إيطاليا، الاتحاد السوفياتي)، فلم تكن عالمية حقيقة. أما الأمم المتحدة فضمت منذ البداية كل القوى الكبرى، وتوسعت مع إنهاء الاستعمار لتصل إلى 193 دولة، منها المغرب منذ 1956؛ فهي منظمة عالمية.
3. آليات حفظ السلم. كانت قرارات العصبة تتطلب الإجماع، ولم تكن لها قوة عسكرية، واعتمدت على العقوبات الاقتصادية الضعيفة. أما الأمم المتحدة فقد منعت استعمال القوة (المادة 2، الفقرة 4)، ومنحت مجلس الأمن سلطة اتخاذ قرارات ملزمة واللجوء إلى القوة (الفصل السابع)، مع حق الفيتو للأعضاء الدائمين الخمسة، وطورت عمليات حفظ السلام.
4. النجاح والفشل. فشلت العصبة في منع الاعتداءات (منشوريا، إثيوبيا) وفي منع الحرب العالمية الثانية. أما الأمم المتحدة فقد نجحت في البقاء وفي تجنب حرب عالمية ثالثة، وساهمت في إنهاء الاستعمار وتطوير حقوق الإنسان والتنمية؛ لكن الفيتو شل مجلس الأمن في أزمات كثيرة (خلال الحرب الباردة، ثم في سوريا وأوكرانيا)، وتطرح مسألة إصلاح المجلس لتمثيل أفضل لإفريقيا والقوى الصاعدة. فالأمم المتحدة أكثر نجاحا من العصبة، لكن فعاليتها تبقى مرتبطة بتوافق القوى الكبرى.
Exercice 2 — رتب الأحداث
رتب زمنيا: أ) سقوط جدار برلين؛ ب) مؤتمر فيينا؛ ج) معاهدات وستفاليا؛ د) إنشاء عصبة الأمم؛ هـ) ميثاق الأمم المتحدة؛ و) أزمة الصواريخ الكوبية؛ ز) معاهدة فاس.
Voir le corrigé
ج) وستفاليا 1648 ← ب) فيينا 1815 ← ز) فاس 1912 ← د) عصبة الأمم 1919 ← هـ) الأمم المتحدة 1945 ← و) كوبا 1962 ← أ) جدار برلين 1989.
Exercice 3 — سؤال مقالي
لماذا لم تتحول الحرب الباردة إلى حرب مباشرة بين القوتين العظميين؟
Voir le corrigé
السبب الرئيسي هو الردع النووي: امتلاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لأسلحة نووية قادرة على التدمير المتبادل المؤكد جعل الحرب المباشرة انتحارا. فاتجهت المواجهة إلى أشكال غير مباشرة: الحروب بالوكالة في العالم الثالث، سباق التسلح والفضاء، المنافسة الإيديولوجية والاقتصادية. كما ساهمت آليات إدارة الأزمات (الخط الساخن بعد أزمة كوبا) واتفاقيات الحد من الأسلحة وفترات الانفراج في تجنب التصعيد.
الخلاصة — تشكل النظام الدولي
- وستفاليا (1648): نهاية حرب الثلاثين عاما؛ السيادة، المساواة، عدم التدخل، توازن القوى؛ نظام أوروبي في البداية.
- مؤتمر فيينا (1815) والوفاق الأوروبي: قرن من السلم النسبي مع التوسع الاستعماري (برلين 1884-1885، الجزيرة الخضراء 1906، معاهدة فاس 30 مارس 1912)؛ ثم الحرب العالمية الأولى (1914-1918).
- عصبة الأمم (1919): ويلسون، الأمن الجماعي؛ الفشل: غياب الولايات المتحدة، الإجماع، غياب القوة، الانسحابات، أزمة 1929؛ إرث مؤسساتي (المحكمة الدائمة للعدل الدولي، منظمة العمل الدولية).
- الأمم المتحدة: ميثاق سان فرانسيسكو (26 يونيو 1945)؛ منع القوة (المادة 2-4)، مجلس الأمن والفيتو، 193 عضوا، المغرب منذ 1956؛ مؤسسات بريتون وودز، الغات ثم منظمة التجارة العالمية (1995).
- الحرب الباردة (1947-1991): معسكران، الحلف الأطلسي (1949) وحلف وارسو (1955)، الردع النووي، الحروب بالوكالة، أزمة كوبا (1962)؛ إنهاء الاستعمار وعدم الانحياز (باندونغ 1955، بلغراد 1961).
- النهاية: سقوط جدار برلين (9 نونبر 1989)، تفكك الاتحاد السوفياتي (1991).
- ما بعد 1991: لحظة القطب الواحد، فوكوياما وهنتنغتون، 11 شتنبر 2001، صعود الصين، عودة روسيا (أوكرانيا 2022)، بريكس ومجموعة العشرين.
- النقاش: تعدد الأقطاب، ثنائية جديدة، أو نظام لاقطبي.