المذهب المالكي والقواعد الفقهية الكبرى
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- التعريف بالإمام مالك وأصول مذهبه؛
- تتبع انتشار المذهب المالكي في الغرب الإسلامي والمغرب؛
- التعرف على أمهات كتب المذهب ومراتبها؛
- تعريف القاعدة الفقهية وتمييزها عن الضابط والنظرية الفقهية؛
- شرح القواعد الخمس الكبرى وتطبيقها على مسائل قانونية معاصرة.
6.1 الإمام مالك وأصول مذهبه
مالك بن أنس (93 - 179 هـ)، إمام دار الهجرة، ولد وعاش في المدينة المنورة، وأخذ عن كبار التابعين. ألف «الموطأ» الذي جمع فيه الأحاديث وآثار الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة، مرتبا على أبواب الفقه، فكان كتاب حديث وفقه في آن واحد.
أصول المذهب المالكي كثيرة، وهي سر مرونته:
| الأصل | ملاحظة |
|---|---|
| القرآن الكريم | بنصه وظاهره ومفهومه |
| السنة النبوية | مع تقديم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد عند التعارض في بعض المسائل |
| عمل أهل المدينة | خاصية مالكية: يعتبره نقلا جماعيا للسنة |
| الإجماع | بشروطه |
| القياس | يأخذ به |
| المصلحة المرسلة | من أبرز أصوله |
| سد الذرائع | توسع فيه |
| الاستحسان | «تسعة أعشار العلم» |
| العرف | معتبر ما لم يخالف نصا |
| قول الصحابي، الاستصحاب، شرع من قبلنا، مراعاة الخلاف | أصول مكملة |
ومن خصائص المذهب مراعاة الخلاف: أي اعتبار رأي المذهب المخالف بعد وقوع الفعل، لتجنب آثار شديدة. مثال ذلك أن بعض الأنكحة المختلف في صحتها يترتب عليها، بعد الدخول، بعض الآثار كالنسب، مراعاة لقول من صححها.
6.2 انتشار المذهب في الغرب الإسلامي والمغرب
انتقل المذهب المالكي إلى إفريقية (تونس) والأندلس منذ القرن الثاني الهجري على يد تلاميذ مالك وتلاميذهم، ومن أبرزهم سحنون (ت 240 هـ) صاحب «المدونة» بالقيروان، ويحيى بن يحيى الليثي (ت 234 هـ) راوي «الموطأ» بالأندلس، وهي الرواية الأكثر انتشارا.
وفي المغرب، انتشر المذهب منذ القرون الأولى، وترسخ مذهبا رسميا في عهد المرابطين (القرن الخامس الهجري)، واستمر عبر الدول المتعاقبة. وكانت جامعة القرويين بفاس، التي أسست سنة 245 هـ (859 م)، أكبر مراكز تدريسه. ويشكل المذهب المالكي اليوم، إلى جانب العقيدة الأشعرية والتصوف السني، ما يسمى بـ**«الثوابت الدينية»** للمغرب، تحت إمارة المؤمنين.
6.3 أمهات كتب المذهب
| الكتاب | مؤلفه | ملاحظات |
|---|---|---|
| الموطأ | الإمام مالك (ت 179 هـ) | أصل المذهب |
| المدونة | سحنون (ت 240 هـ) | أجوبة مالك برواية ابن القاسم، وهي عمدة الفتوى |
| الرسالة | ابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هـ) | مختصر تعليمي واسع الانتشار، يحفظه طلبة العلم |
| المختصر | خليل بن إسحاق (ت 776 هـ) | مختصر مركز صار مرجع القضاة والمفتين، وكثرت شروحه |
| تحفة الحكام (العاصمية) | ابن عاصم الغرناطي (ت 829 هـ) | منظومة في القضاء والأحكام، اعتمدها القضاة المغاربة كثيرا |
| المعيار المعرب | الونشريسي (ت 914 هـ) | موسوعة فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب |
ويميز فقهاء المذهب، عند تعدد الأقوال، بين الراجح (ما قوي دليله) والمشهور (ما كثر قائلوه) وما جرى به العمل (ما استقر عليه عمل القضاة ولو خالف المشهور). وهذه المصطلحات هي التي تستعملها المادة الأولى من مدونة الحقوق العينية حين تحيل على الفقه المالكي.
6.4 القاعدة الفقهية
تعريف — القاعدة الفقهية: حكم كلي أو أغلبي ينطبق على جزئيات كثيرة من أبواب فقهية مختلفة، تعرف أحكامها منه.
الفرق بين القاعدة والضابط والنظرية:
- القاعدة تجمع فروعا من أبواب مختلفة (العبادات والمعاملات والأسرة)؛
- الضابط يجمع فروعا من باب واحد، كقولهم: «كل ما جاز بيعه جازت هبته»؛
- النظرية الفقهية بناء موضوعي عام يجمع أحكام موضوع معين، كنظرية العقد أو نظرية الضمان.
وتفيد القواعد في تيسير حفظ الفروع الكثيرة وفهم أسرارها، وفي تخريج أحكام الوقائع الجديدة.
6.5 القواعد الخمس الكبرى
| القاعدة | أصلها | معناها | تطبيقات |
|---|---|---|---|
| الأمور بمقاصدها | حديث «إنما الأعمال بالنيات» | تتحدد أحكام الأفعال والتصرفات بحسب نية صاحبها | التمييز بين القتل العمد والخطأ؛ البحث عن القصد المشترك للمتعاقدين عند غموض ألفاظ العقد |
| اليقين لا يزول بالشك | أحاديث في الطهارة والصلاة | ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين مثله | الأصل براءة الذمة؛ المفقود حي حتى يثبت موته؛ قرينة البراءة في المادة الجنائية |
| المشقة تجلب التيسير | «يريد الله بكم اليسر» (البقرة، 185) | الصعوبة تكون سببا للتخفيف | رخص السفر والمرض؛ منح القاضي مهلة ميسرة للمدين المعسر |
| الضرر يزال | حديث «لا ضرر ولا ضرار» | يجب رفع الضرر ومنعه | التعويض عن الفعل الضار؛ مضار الجوار؛ التعسف في استعمال الحق |
| العادة محكمة | العرف | للعرف اعتبار في تحديد الأحكام | تفسير العقود بحسب العرف؛ تقدير النفقة بحسب العرف ومستوى المعيشة |
ويتفرع عن هذه القواعد قواعد أخرى كثيرة، مثل: «الضرورات تبيح المحظورات»، «الضرورة تقدر بقدرها»، «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».
6.6 من القواعد إلى الأحكام: القواعد المتفرعة وتطبيقاتها
لكل قاعدة كبرى قواعد متفرعة عنها، وهي الأكثر استعمالا في الفتوى والقضاء:
| القاعدة الكبرى | قواعد متفرعة | مثال تطبيقي |
|---|---|---|
| الأمور بمقاصدها | «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني» | من قال «أعرتك داري شهرا بألف درهم» فالعقد كراء لا عارية، لأن المقصود المعاوضة |
| اليقين لا يزول بالشك | «الأصل براءة الذمة»، «الأصل في الأشياء الإباحة»، «الأصل العدم» | من ادعى أن شريكه حقق أرباحا وجب عليه الإثبات، لأن الأصل عدم الربح |
| المشقة تجلب التيسير | «الضرورات تبيح المحظورات»، «الضرورة تقدر بقدرها»، «الحاجة تنزل منزلة الضرورة» | جواز كشف الطبيب على المريض للعلاج في حدود الحاجة |
| الضرر يزال | «الضرر لا يزال بمثله»، «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» | منع إقامة مخزن للمواد القابلة للاشتعال وسط حي سكني ولو كان مربحا لصاحبه |
| العادة محكمة | «المعروف عرفا كالمشروط شرطا»، «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» | تحديد ما يدخل في بيع الدار من توابع بحسب العرف |
وتعتبر قاعدة «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني» قريبة جدا من قواعد تفسير العقود في القانون المدني، التي تبحث عن القصد المشترك للمتعاقدين عند غموض الألفاظ. كما أن قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» تفسر قدرة الفقه على التطور في الأحكام المبنية على العرف والمصلحة، دون الأحكام القطعية الثابتة.
ومن أشهر المؤلفات في القواعد الفقهية: «الفروق» للقرافي المالكي، و«الأشباه والنظائر» للسيوطي ولابن نجيم، و«إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك» للونشريسي. وتساعد هذه الكتب الطالب على ربط الفروع المتفرقة بأصولها الجامعة.
6.7 المنهجية: تطبيق قاعدة فقهية على مسألة
- حدد الإشكال في المسألة (نية، شك، مشقة، ضرر، عرف).
- اختر القاعدة الكبرى المناسبة ثم القاعدة المتفرعة عنها.
- اذكر أصل القاعدة من الكتاب أو السنة.
- طبقها على الوقائع مع مراعاة الاستثناءات (القاعدة أغلبية).
- أشر إلى ما يقابلها في القانون المغربي إن وجد.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الاعتقاد بأن المذهب المالكي يقتصر على القرآن والسنة: هو من أكثر المذاهب تعددا في الأصول.
- نسب «المدونة» إلى الإمام مالك نفسه: هي برواية سحنون عن ابن القاسم.
- الخلط بين الراجح والمشهور وما جرى به العمل.
- الخلط بين القاعدة والضابط.
- نسيان أن القواعد أغلبية: لها استثناءات.
Exercice 1 — القواعد الفقهية في مسائل قانونية
حدد القاعدة الكبرى التي تنطبق على كل مسألة، واشرح الحل:
- أقام «سعيد» في أرضه مصنعا ينبعث منه دخان كثيف يضر بصحة سكان الحي.
- يدعي «أحمد» أن «خالدا» مدين له، ولا يملك أي دليل، وينكر خالد.
- أصيب تاجر بمرض خطير منعه من أداء ديونه في أجلها، فطلب من القاضي مهلة.
- اختلف بائع ومشتر حول ما إذا كان ثمن الثلاجة يشمل التركيب في المنزل، والعقد ساكت، والعادة في المدينة أن البائع يتكفل بالتركيب.
- أعطى «يوسف» مالا لـ«رشيد» وقال له «خذه»، ثم ادعى أنه قرض، وادعى رشيد أنه هبة.
Voir le corrigé
| الرقم | القاعدة | الحل |
|---|---|---|
| 1 | الضرر يزال | يجب رفع الضرر الفاحش عن الجيران، ولو كان سعيد يستعمل حقا في ملكه؛ ويتحمل الضرر الخاص (تكلفة إجراءات الحماية) لدفع الضرر العام (صحة السكان). وتلتقي القاعدة مع قواعد مضار الجوار والتعسف في استعمال الحق (الفصل 94 ق.ل.ع) |
| 2 | اليقين لا يزول بالشك | الأصل براءة ذمة خالد، ولا تزول إلا بدليل؛ فالبينة على أحمد المدعي، واليمين على خالد المنكر |
| 3 | المشقة تجلب التيسير | المرض الطارئ مشقة تبرر التخفيف، فيجوز للقاضي منح المدين مهلة ميسرة وفق ما يسمح به القانون، دون إسقاط الدين |
| 4 | العادة محكمة | العقد ساكت، والعرف يقضي بأن البائع يتكفل بالتركيب: «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» |
| 5 | الأمور بمقاصدها | يتحدد التكييف (قرض أو هبة) بالقصد؛ وعند النزاع يبحث القاضي عن القرائن الدالة على القصد (العلاقة بين الطرفين، المبلغ، الظروف)، ومع اليقين لا يزول بالشك يبقى على مدعي القرض إثبات الدين |
Exercice 2 — قاعدة أم ضابط؟
صنف: 1) «الأمور بمقاصدها»؛ 2) «كل ما جاز بيعه جازت هبته»؛ 3) «الضرر يزال»؛ 4) «كل ماء لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور».
Voir le corrigé
- قاعدة: تطبق في العبادات والمعاملات والجنايات. 2) ضابط: يخص باب البيع والهبة. 3) قاعدة كبرى. 4) ضابط في باب الطهارة.
Exercice 3 — القاعدة والقانون المغربي
اذكر لكل قاعدة كبرى مقتضى من القانون المغربي يلتقي معها.
Voir le corrigé
الأمور بمقاصدها: التمييز في القانون الجنائي بين الجرائم العمدية وغير العمدية، والبحث عن قصد المتعاقدين في تفسير العقود. اليقين لا يزول بالشك: قرينة البراءة (الفصل 23 من الدستور)، وقاعدة إثبات الالتزام على مدعيه (الفصل 399 ق.ل.ع). المشقة تجلب التيسير: المهلة القضائية للمدين. الضرر يزال: المسؤولية عن الفعل الضار (الفصل 77 ق.ل.ع) والتعسف في استعمال الحق (الفصل 94). العادة محكمة: اعتبار العرف في المعاملات التجارية وتفسير العقود.
الخلاصة — المذهب المالكي والقواعد الكبرى
- مالك بن أنس (93 - 179 هـ)، إمام دار الهجرة، صاحب «الموطأ».
- أصول المذهب: القرآن، السنة، عمل أهل المدينة، الإجماع، القياس، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، العرف، مراعاة الخلاف.
- الانتشار: سحنون بالقيروان، يحيى بن يحيى الليثي بالأندلس؛ مذهب رسمي في المغرب منذ المرابطين؛ القرويين (859 م)؛ الثوابت الدينية.
- أمهات الكتب: الموطأ، المدونة (سحنون)، الرسالة (ابن أبي زيد)، مختصر خليل، تحفة ابن عاصم، معيار الونشريسي.
- الراجح، المشهور، ما جرى به العمل (المادة 1 من القانون 39.08).
- القاعدة الفقهية: حكم كلي أو أغلبي يجمع فروعا من أبواب مختلفة؛ الضابط من باب واحد.
- القواعد الخمس: الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة.