الشريعة والفقه والحكم الشرعي
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- التمييز بين الشريعة والفقه والتشريع؛
- التمييز بين أصول الفقه وفروعه، وبين العبادات والمعاملات؛
- عرض أهم خصائص الشريعة الإسلامية؛
- تعريف الحكم الشرعي وتقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي؛
- تطبيق هذه المفاهيم على أمثلة من المعاملات.
1.1 الشريعة
تعريف — الشريعة لغة: مورد الماء الذي يقصده الناس للشرب، ثم أطلقت على الطريق المستقيم الواضح.
تعريف — الشريعة اصطلاحا: ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، سواء تعلقت بالعقيدة أو بالعبادات أو بالأخلاق أو بالمعاملات.
فالشريعة بهذا المعنى الواسع تشمل الدين كله. ويستعملها بعض الكتاب بمعنى أضيق، للدلالة على الأحكام العملية وحدها، تمييزا لها عن العقيدة والأخلاق.
1.2 الفقه
تعريف — الفقه لغة: الفهم.
تعريف — الفقه اصطلاحا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
ويستفاد من هذا التعريف ثلاثة عناصر:
- العلم بالأحكام الشرعية: فلا تدخل فيه الأحكام العقلية أو اللغوية؛
- العملية: المتعلقة بأفعال المكلفين، لا بالعقائد؛
- المكتسب من الأدلة التفصيلية: أي أن الفقيه يستنبط الحكم من دليل معين (آية، حديث، قياس)، وهذا هو الاجتهاد.
الفرق بين الشريعة والفقه. الشريعة في نظر المسلمين وحي إلهي معصوم، أما الفقه فهو جهد بشري لفهم هذا الوحي وتطبيقه، يحتمل الصواب والخطأ، ويتعدد بتعدد الفقهاء والمذاهب، ويتطور بتطور الزمان والمكان. ولهذا نجد في المسألة الواحدة عدة آراء فقهية، بينما الشريعة واحدة. وهذا التمييز أساسي لفهم كيف يستطيع المشرع المعاصر أن يختار من بين الآراء الفقهية، أو أن يجتهد في المسائل الجديدة، دون أن يخرج عن إطار الشريعة.
التشريع. يقصد به في الفقه الإسلامي سن الأحكام، وهو بالمعنى الأصلي من اختصاص الشارع، أما الفقهاء فيستنبطون ويجتهدون. وفي المعنى القانوني الحديث، التشريع هو النصوص المكتوبة التي تضعها السلطة المختصة.
1.3 أصول الفقه وفروعه
| العلم | موضوعه | مثال على مسألة فيه |
|---|---|---|
| أصول الفقه | القواعد والمناهج التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام: الأدلة وترتيبها، دلالات الألفاظ، شروط الاجتهاد | هل يعمل بخبر الواحد؟ متى يجوز القياس؟ |
| الفقه (الفروع) | الأحكام العملية التفصيلية مرتبة حسب الأبواب | شروط صحة البيع، نصيب الزوجة من الميراث |
ويعتبر الإمام الشافعي (ت 204 هـ / 820 م) أول من دون علم أصول الفقه في كتابه «الرسالة». وتقسم كتب الفقه الأحكام إلى قسمين كبيرين:
- العبادات: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، وتنظم علاقة العبد بربه؛
- المعاملات: البيوع والإجارة والشركة والنكاح والطلاق والمواريث والأقضية والحدود، وتنظم علاقات الناس فيما بينهم، وهي التي تهم رجل القانون أساسا.
والأصل في العبادات التوقيف، أي الاقتصار على ما ورد به النص، والأصل في المعاملات الإباحة، فكل معاملة لم يرد نص بتحريمها جائزة. وهذا الأصل هو ما يمنح فقه المعاملات مرونة كبيرة أمام المستجدات.
1.4 خصائص الشريعة الإسلامية
| الخاصية | مضمونها |
|---|---|
| الربانية | مصدرها الوحي، مما يمنح أحكامها احتراما خاصا في نفوس المؤمنين وطاعة ذاتية لا تعتمد على الرقابة وحدها |
| الشمول | تنظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره، في مجالات العبادة والأسرة والمال والقضاء والحكم |
| الجمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي | لمخالفة الحكم جزاء يوقعه القضاء أحيانا، وجزاء أخروي دائما، خلافا للقانون الوضعي الذي يقتصر على الجزاء الدنيوي |
| الواقعية ورفع الحرج | تراعي قدرات الإنسان وظروفه: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (البقرة، 185)؛ ومنها الرخص في السفر والمرض |
| الجمع بين الثبات والمرونة | ثبات في الأصول والقطعيات، ومرونة في الفروع والوسائل، بفضل الاجتهاد والعرف والمصلحة |
| العموم | تخاطب الناس كافة، لا فئة أو قوما بعينهم |
1.5 الحكم الشرعي
تعريف — الحكم الشرعي عند الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا.
وينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين:
أولا: الحكم التكليفي، ويقتضي طلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير بينهما. وأقسامه عند الجمهور خمسة:
| القسم | تعريفه | مثال |
|---|---|---|
| الواجب (أو الفرض) | ما طلب الشارع فعله طلبا جازما: يثاب فاعله ويستحق تاركه العقاب | الصلوات الخمس، الوفاء بالعقود |
| المندوب (المستحب) | ما طلب فعله طلبا غير جازم: يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه | صدقة التطوع، كتابة الدين |
| المباح | ما خير الشارع بين فعله وتركه | أغلب أفعال الحياة اليومية |
| المكروه | ما طلب تركه طلبا غير جازم: يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله | بعض صور الإسراف |
| الحرام (المحظور) | ما طلب تركه طلبا جازما: يعاقب فاعله ويثاب تاركه | السرقة، أكل الربا |
ويميز الفقهاء في الواجب بين الواجب العيني الذي يطالب به كل مكلف بعينه (كالصلاة)، والواجب الكفائي الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين (كتولي القضاء وتعلم الطب).
ثانيا: الحكم الوضعي، وهو ما جعله الشارع سببا لشيء أو شرطا له أو مانعا منه، أو جعله صحيحا أو فاسدا أو باطلا:
| النوع | تعريفه | مثال |
|---|---|---|
| السبب | ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم | الوفاة سبب للإرث |
| الشرط | ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود | الإشهاد شرط في عقد الزواج |
| المانع | ما يلزم من وجوده العدم | القتل العمد مانع من الإرث |
| الصحة والفساد والبطلان | وصف للتصرف بحسب استيفائه للأركان والشروط | بيع ما لا يملكه البائع أو ما لا وجود له |
وتجد هذه المفاهيم صداها في القانون الحديث: فمدونة الأسرة تميز بين الزواج الصحيح والباطل والفاسد، وتنص على أن القاتل عمدا لا يرث من قتله.
1.6 الشريعة والقانون الوضعي: مقارنة
يفيد طالب القانون أن يقارن بين النظامين، لأنه سيتعامل معهما معا في مواد كقانون الأسرة والحقوق العينية:
| المعيار | الشريعة الإسلامية | القانون الوضعي |
|---|---|---|
| المصدر | الوحي (القرآن والسنة)، ثم اجتهاد الفقهاء | إرادة المشرع البشري (البرلمان، الحكومة) |
| النطاق | تشمل العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات | يقتصر على تنظيم العلاقات الاجتماعية |
| الجزاء | دنيوي وأخروي | دنيوي فقط، توقعه السلطة العامة |
| التطور | ثبات الأصول ومرونة الفروع بالاجتهاد | يتغير بإرادة المشرع حسب الحاجة |
| التدوين | تطور أساسا في كتب الفقهاء، ثم قنن جزئيا في العصر الحديث | مدون في نصوص مرقمة منذ البداية |
ومع هذه الفوارق، يلتقي النظامان في كثير من المبادئ: الوفاء بالعقود، حسن النية، منع الإضرار بالغير، حماية الضعيف، وحجية الإثبات. ولذلك أمكن للمشرع المغربي أن يدمج قواعد فقهية في مدونات حديثة دون تعارض في البنية.
1.7 المنهجية: تكييف مسألة شرعية
- حدد هل تتعلق المسألة بـالعبادات أم بـالمعاملات.
- حدد الحكم التكليفي للفعل (واجب، مندوب، مباح، مكروه، حرام).
- ابحث عن الأحكام الوضعية: هل هناك سبب أو شرط أو مانع؟ هل التصرف صحيح أم فاسد أم باطل؟
- ميز بين ما هو قطعي ثابت في الشريعة وما هو اجتهادي يحتمل تعدد الآراء.
- ابحث هل تبنى القانون المغربي هذا الحكم، وبأي صيغة.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين الشريعة (الوحي) والفقه (الفهم البشري الاجتهادي).
- الاعتقاد بأن الشريعة تقتصر على العبادات: أغلب كتب الفقه في المعاملات.
- نسيان أن الأصل في المعاملات الإباحة.
- الخلط بين الحكم التكليفي (طلب أو تخيير) والحكم الوضعي (سبب، شرط، مانع).
- الاعتقاد بأن المندوب والمكروه يرتبان جزاء أمام القضاء.
Exercice 1 — التكييف الشرعي
- صنف الأحكام الآتية إلى عبادات ومعاملات: الزكاة، عقد الإجارة، صيام رمضان، الوقف، قسمة التركة، الحج.
- بين الحكم التكليفي لكل فعل حسب الجمهور: أ) الوفاء بعقد بيع صحيح؛ ب) التصدق تطوعا؛ ج) الإقراض بفائدة ربوية؛ د) اختيار فتح مخبزة بدل متجر للمواد الغذائية.
- في القاعدة «القاتل عمدا لا يرث من قتله»، حدد السبب والمانع والأثر.
Voir le corrigé
1. التصنيف.
| المسألة | الصنف |
|---|---|
| الزكاة | عبادات، وإن كان لها بعد مالي واجتماعي واضح |
| عقد الإجارة | معاملات |
| صيام رمضان | عبادات |
| الوقف | معاملات (تصرف في المال على وجه التأبيد) |
| قسمة التركة | معاملات |
| الحج | عبادات |
2. الأحكام التكليفية. أ) واجب: الوفاء بالعقود مأمور به: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» (المائدة، 1). ب) مندوب: يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. ج) حرام: الربا محرم بنص القرآن (البقرة، 275). د) مباح: الأصل في المعاملات الإباحة، واختيار نشاط مشروع لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب لذاته.
3. الحكم الوضعي. السبب هو الوفاة (موت المورث) والقرابة، والأثر الطبيعي هو استحقاق القريب للإرث، والمانع هو القتل العمد الذي يحول دون هذا الاستحقاق. وقد أخذت مدونة الأسرة بهذا المانع.
Exercice 2 — شريعة أم فقه؟
صنف: 1) تحريم الربا الوارد في القرآن؛ 2) تحديد الأصناف التي يجري فيها ربا البيوع، وقد اختلفت فيه المذاهب؛ 3) وجوب الوفاء بالعقود؛ 4) رأي فقيه مالكي في السن التي يخير فيها المحضون بين أبويه.
Voir le corrigé
- شريعة: حكم منصوص (البقرة، 275). 2) فقه: اجتهاد في تعدية الحكم بالقياس، لذلك تعددت الآراء. 3) شريعة: نص قرآني (المائدة، 1). 4) فقه: رأي اجتهادي قابل للتغير، وللمشرع أن يتبنى غيره.
Exercice 3 — الحكم الوضعي
حدد نوع الحكم الوضعي: 1) دخول وقت الصلاة بالنسبة لوجوبها؛ 2) الإشهاد بالنسبة لعقد الزواج؛ 3) اختلاف الدين بين المورث والوارث في الفقه المالكي؛ 4) بلوغ النصاب بالنسبة لوجوب الزكاة.
Voir le corrigé
- سبب: يلزم من وجوده وجوب الصلاة. 2) شرط: يلزم من عدمه عدم صحة العقد. 3) مانع من الإرث. 4) سبب لوجوب الزكاة (مع شرط حولان الحول).
الخلاصة — الشريعة والفقه والحكم الشرعي
- الشريعة: ما شرعه الله لعباده من أحكام؛ الفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، جهد بشري متعدد ومتطور.
- أصول الفقه: مناهج الاستنباط (الشافعي، «الرسالة»)؛ الفروع: الأحكام التفصيلية.
- العبادات (الأصل التوقيف) والمعاملات (الأصل الإباحة).
- خصائص الشريعة: الربانية، الشمول، الجزاء الدنيوي والأخروي، الواقعية ورفع الحرج، الثبات والمرونة، العموم.
- الحكم التكليفي: الواجب، المندوب، المباح، المكروه، الحرام؛ الواجب العيني والكفائي.
- الحكم الوضعي: السبب، الشرط، المانع، الصحة والفساد والبطلان.
- صدى في مدونة الأسرة: الزواج الصحيح والباطل والفاسد، مانع القتل العمد من الإرث.