Chapitre 2 · Droit S1 · الجذع المشترك

أدوار التشريع الإسلامي

مدخل لدراسة الشريعة

أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:

  • تقسيم تاريخ التشريع الإسلامي إلى مراحل كبرى وتحديد خصائص كل مرحلة؛
  • شرح طريقة التشريع في عهد النبوة؛
  • إبراز اجتهادات الخلفاء الراشدين ومنهجهم؛
  • التمييز بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، وفهم نشأة المذاهب؛
  • تفسير ظاهرة التقليد ثم حركة التقنين في العصر الحديث.

2.1 لماذا ندرس تاريخ التشريع؟

لا يمكن فهم الفقه الإسلامي دون معرفة الظروف التي نشأ وتطور فيها. فالأحكام لم توضع دفعة واحدة، بل تدرجت مع نشأة الجماعة الإسلامية واتساع رقعتها، واستجاب الفقهاء عبر القرون لمسائل جديدة بمناهج مختلفة. ويقسم الباحثون هذا التاريخ عادة إلى مراحل أو «أدوار»، يختلف عددها من مؤلف لآخر. ونعتمد هنا تقسيما في خمس مراحل.

2.2 المرحلة الأولى: عهد النبوة (من البعثة إلى سنة 11 هـ)

يمتد هذا العهد نحو ثلاث وعشرين سنة، وفيه نزل الوحي. وينقسم إلى فترتين:

  • الفترة المكية (نحو ثلاث عشرة سنة): اهتمت أساسا بترسيخ العقيدة والأخلاق، وكانت الأحكام العملية فيها قليلة؛
  • الفترة المدنية (نحو عشر سنوات بعد الهجرة سنة 622 م): قامت فيها دولة المدينة، فنزلت أحكام الأسرة والمواريث والمعاملات والحدود والجهاد وتنظيم العلاقات مع غير المسلمين.

خصائص التشريع في هذا العهد:

  • المصدر: الوحي بنوعيه، القرآن والسنة؛ وكان الصحابة يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يعرض لهم؛
  • التدرج: لم تنزل الأحكام دفعة واحدة، بل بالتدريج مراعاة لأحوال الناس، كما في تحريم الخمر الذي مر بمراحل متعددة؛
  • الواقعية: كثير من الأحكام نزل جوابا عن أسئلة أو وقائع (أسباب النزول)؛
  • إقرار الاجتهاد: أذن النبي لبعض الصحابة بالاجتهاد، كما في الأثر المشهور عن معاذ بن جبل حين بعثه قاضيا إلى اليمن، فقال إنه يقضي بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد اجتهد رأيه.

2.3 المرحلة الثانية: عهد الخلفاء الراشدين (11 - 40 هـ)

بعد وفاة النبي، انقطع الوحي، واتسعت رقعة الدولة بالفتوحات، فواجه الصحابة مسائل جديدة لا نص فيها. وقد تميز منهجهم بما يلي:

  • الرجوع إلى الكتاب والسنة أولا؛
  • الشورى والاجتهاد الجماعي: كان الخليفة يجمع كبار الصحابة للتشاور في المسائل المهمة، ومن هنا نشأ الإجماع؛
  • الاجتهاد بالرأي والمصلحة عند غياب النص.

ومن أشهر اجتهادات هذه المرحلة: جمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر، ثم نسخ المصحف الإمام في عهد عثمان؛ وإنشاء الدواوين في عهد عمر بن الخطاب؛ وما ينسب إلى عمر من عدم قسمة أرض السواد في العراق على الفاتحين وإبقائها موردا دائما لبيت المال، ووقف إقامة حد السرقة عام المجاعة. ويستدل الباحثون بهذه الاجتهادات على مراعاة المصلحة ومقاصد الأحكام منذ العهد الأول.

2.4 المرحلة الثالثة: عصر صغار الصحابة والتابعين ونشأة المدارس الفقهية

انتشر الصحابة في الأمصار (المدينة، مكة، الكوفة، البصرة، الشام، مصر)، وأخذ عنهم التابعون. وبدأت تتشكل مدرستان في الاجتهاد:

المدرسة مركزها منهجها أسباب ذلك
مدرسة الحديث (أهل الحديث) الحجاز، وخاصة المدينة التمسك بالنصوص والآثار، والتحرز من الرأي كثرة الحديث في المدينة، وبساطة الحياة الاجتماعية
مدرسة الرأي (أهل الرأي) العراق، وخاصة الكوفة التوسع في القياس والرأي وتعليل الأحكام، وافتراض المسائل قلة الحديث نسبيا، وتعقد الحياة في مجتمع متعدد الثقافات، وكثرة الوقائع الجديدة

وفي هذه المرحلة أيضا بدأ تدوين السنة: وينسب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ) الأمر بجمع الحديث وتدوينه خشية ضياعه.

2.5 المرحلة الرابعة: عصر الأئمة المجتهدين وتدوين الفقه (القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري)

تعد هذه المرحلة العصر الذهبي للفقه الإسلامي. فيها:

  • نشأت المذاهب الفقهية الكبرى: الحنفي (أبو حنيفة، ت 150 هـ)، المالكي (مالك بن أنس، ت 179 هـ)، الشافعي (ت 204 هـ)، الحنبلي (أحمد بن حنبل، ت 241 هـ)، إلى جانب مذاهب لم يكتب لها الاستمرار، ومذاهب الشيعة والإباضية؛
  • دون الفقه: ألف الإمام مالك «الموطأ»، ودونت «المدونة» برواية سحنون؛
  • دون علم أصول الفقه بكتاب «الرسالة» للشافعي؛
  • دونت السنة في المصنفات الكبرى (صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن).

ويعزى ازدهار هذه المرحلة إلى اتساع الدولة، وتشجيع الخلفاء للعلماء، وحرية الاجتهاد، وكثرة المناظرات بين الفقهاء.

2.6 المرحلة الخامسة: عصر التقليد، ثم النهضة والتقنين

عصر التقليد (من منتصف القرن الرابع الهجري تقريبا): اكتفى أغلب الفقهاء بالانتساب إلى مذهب معين وشرح أقوال أئمته، فكثرت المختصرات والشروح والحواشي، كـ«مختصر خليل» في المذهب المالكي. وشاع القول بـ«إغلاق باب الاجتهاد»، وإن كان باحثون معاصرون قد بينوا أن الاجتهاد لم ينقطع فعليا، إذ استمر الفقهاء في الإجابة عن النوازل الجديدة بالفتاوى. وفي المغرب، طور قضاة فاس ما عرف بـ**«العمل الفاسي»**، أي ما جرى به عمل القضاة في مسائل معينة ولو خالف المشهور، مراعاة للمصلحة والعرف.

عصر النهضة والتقنين (منذ القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي):

  • حركة الإصلاح والتجديد: دعا مفكرون إلى فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى المقاصد، ومنهم في المغرب الكبير محمد الطاهر ابن عاشور في تونس وعلال الفاسي في المغرب؛
  • التقنين: صياغة الأحكام الفقهية في مواد مرقمة على شكل قوانين حديثة. وأشهر نموذج «مجلة الأحكام العدلية» العثمانية (1869 - 1876) التي قننت أحكام المعاملات وفق المذهب الحنفي. وفي المغرب، قننت أحكام الأسرة في مدونة الأحوال الشخصية (1957 - 1958) ثم في مدونة الأسرة (2004)، وقننت أحكام الأوقاف في مدونة الأوقاف (2010).

2.7 مراكز الفقه في الغرب الإسلامي

لم يكن تاريخ التشريع مشرقيا فقط. فقد عرف الغرب الإسلامي مراكز علمية كبرى طبعت الفقه المالكي بطابعها:

  • القيروان: عاصمة إفريقية، ومنها انطلق المذهب المالكي في المغرب الكبير بفضل سحنون صاحب «المدونة»، ثم ابن أبي زيد القيرواني صاحب «الرسالة»؛
  • قرطبة والأندلس: انتشرت فيها رواية يحيى بن يحيى الليثي للموطأ، وبرز فيها كبار الفقهاء والقضاة كـابن رشد الجد (ت 520 هـ) صاحب «البيان والتحصيل»، وحفيده ابن رشد الحفيد صاحب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» في الفقه المقارن؛ ومن غرناطة الشاطبي وابن عاصم؛
  • فاس: بجامعة القرويين التي أصبحت مركز إشعاع فقهي، ومنها خرج العمل الفاسي وكتب النوازل التي جمعت فتاوى الفقهاء في القضايا الواقعية، كـ«المعيار» للونشريسي.

وقد تميز فقهاء الغرب الإسلامي بعنايتهم بـالنوازل وما جرى به العمل، أي بالفقه المرتبط بالواقع والقضاء، أكثر من الافتراض النظري.

2.8 المنهجية: الإجابة عن سؤال في تاريخ التشريع

  1. حدد المرحلة المعنية وحدودها الزمنية.
  2. اذكر المصادر المعتمدة في تلك المرحلة.
  3. بين المنهج السائد (نص، شورى، رأي، تقليد، تقنين).
  4. استشهد بـأمثلة دقيقة (اجتهاد، كتاب، إمام).
  5. اربط المرحلة بما قبلها وما بعدها لإبراز التطور.

أخطاء شائعة يجب تجنبها

  • الاعتقاد بأن الأحكام نزلت دفعة واحدة: التشريع كان متدرجا.
  • إغفال الاجتهاد في عهد النبوة والخلفاء الراشدين.
  • تقديم مدرسة الرأي على أنها ترفض الحديث، أو مدرسة الحديث على أنها ترفض الرأي: الفرق في درجة الاعتماد على كل منهما.
  • اعتبار «إغلاق باب الاجتهاد» حقيقة ثابتة دون نقاش.
  • الخلط بين التقنين (صياغة الأحكام في مواد) والتشريع بمعناه الأصلي.

Exercice 1 — أسئلة في تاريخ التشريع

  1. اذكر ثلاث خصائص للتشريع في عهد النبوة مع مثال لكل خاصية.
  2. لماذا ظهر الاجتهاد الجماعي في عهد الخلفاء الراشدين؟ مثل لذلك.
  3. قارن في جدول بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي.
  4. عرف التقنين، واذكر نموذجين له، أحدهما مغربي.
Voir le corrigé

1. خصائص عهد النبوة. التدرج: تحريم الخمر على مراحل. الواقعية: نزول أحكام جوابا عن أسئلة أو وقائع (أسباب النزول). إقرار الاجتهاد: أثر معاذ بن جبل حين بعث قاضيا إلى اليمن.

2. الاجتهاد الجماعي. انقطع الوحي بوفاة النبي، واتسعت الدولة بالفتوحات، فظهرت مسائل جديدة لا نص فيها. لجأ الخلفاء إلى الشورى بجمع كبار الصحابة، فنشأ الإجماع. ومن أمثلته جمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر.

3. المقارنة.

المعيار مدرسة الحديث مدرسة الرأي
المركز الحجاز (المدينة) العراق (الكوفة)
المنهج التمسك بالنص والأثر التوسع في القياس والرأي
السبب كثرة الحديث وبساطة الحياة قلة الحديث نسبيا وتعقد الحياة وكثرة الوقائع
الامتداد المذهب المالكي في جانب منه المذهب الحنفي

4. التقنين. صياغة الأحكام الفقهية في مواد مرقمة ومرتبة على شكل قانون حديث، يختار فيها المشرع رأيا واحدا في كل مسألة. نموذجان: «مجلة الأحكام العدلية» العثمانية (1869 - 1876) في المعاملات وفق المذهب الحنفي؛ ومدونة الأسرة المغربية (2004) التي قننت أحكام الأسرة انطلاقا من الفقه المالكي والاجتهاد.

Exercice 2 — رتب المراحل

رتب ترتيبا زمنيا: تأليف «مختصر خليل»؛ جمع القرآن في عهد أبي بكر؛ «مجلة الأحكام العدلية»؛ تأليف «الموطأ»؛ مدونة الأسرة المغربية؛ أثر معاذ بن جبل.

Voir le corrigé

أثر معاذ بن جبل (عهد النبوة)؛ جمع القرآن (عهد أبي بكر)؛ «الموطأ» (القرن الثاني الهجري)؛ «مختصر خليل» (القرن الثامن الهجري، عصر التقليد)؛ «مجلة الأحكام العدلية» (1869 - 1876)؛ مدونة الأسرة (2004).

Exercice 3 — سؤال تحليلي

يقال إن اجتهادات عمر بن الخطاب تدل على مراعاة مقاصد الشريعة منذ العهد الأول. اشرح ذلك في عشرة أسطر.

Voir le corrigé

تنسب إلى عمر اجتهادات لم يقف فيها عند ظاهر النص فقط، بل نظر إلى علة الحكم والمصلحة التي شرع من أجلها. فعدم قسمة أرض السواد على الفاتحين أبقى موردا دائما لبيت المال يستفيد منه المسلمون في الأجيال اللاحقة، تحقيقا لمصلحة عامة. ووقف حد السرقة عام المجاعة راعى وجود شبهة الحاجة، والحدود تدرأ بالشبهات. ويستدل بهذه الأمثلة على أن الفقه ربط الأحكام بغاياتها منذ البداية، وهو ما نظّره لاحقا الأصوليون في نظرية المقاصد (الفصل الخامس).

الخلاصة — أدوار التشريع الإسلامي

  • عهد النبوة: نحو 23 سنة؛ الفترة المكية (العقيدة) والمدنية (الأحكام)؛ التدرج، الواقعية، إقرار الاجتهاد (أثر معاذ).
  • الخلفاء الراشدون (11 - 40 هـ): الشورى والاجتهاد الجماعي ونشأة الإجماع؛ جمع القرآن، الدواوين، اجتهادات عمر المنسوبة إليه.
  • التابعون: مدرسة الحديث (الحجاز) ومدرسة الرأي (العراق)؛ بداية تدوين السنة (عمر بن عبد العزيز).
  • الأئمة المجتهدون (القرن 2 إلى منتصف 4 هـ): المذاهب الأربعة، الموطأ، المدونة، الرسالة، كتب الحديث.
  • التقليد: المختصرات والشروح (مختصر خليل)، نقاش إغلاق باب الاجتهاد، العمل الفاسي.
  • النهضة والتقنين: ابن عاشور، علال الفاسي؛ مجلة الأحكام العدلية (1869 - 1876)؛ مدونة الأحوال الشخصية (1957 - 1958)، مدونة الأسرة (2004)، مدونة الأوقاف (2010).
1غلب على الفترة المكية من التشريع:
2أثر معاذ بن جبل يدل على:
3ينسب إنشاء الدواوين إلى:
4مركز مدرسة الرأي هو:
5ينسب الأمر بتدوين السنة إلى:
6العصر الذهبي للفقه الإسلامي هو عصر:
7«مجلة الأحكام العدلية» قننت المعاملات وفق المذهب:
8«العمل الفاسي» هو:
9من رواد التجديد المقاصدي في المغرب:
10قننت أحكام الأسرة في المغرب لأول مرة سنة: