نظريات العقد الاجتماعي وفلسفة الأنوار والليبرالية
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- شرح المنطق المشترك لنظريات العقد الاجتماعي: حالة الطبيعة، العقد، الدولة؛
- تحليل نظرية هوبز في الليفياثان والسلطة المطلقة؛
- عرض نظرية لوك في الحقوق الطبيعية والحكومة المقيدة وحق المقاومة؛
- شرح نظرية روسو في الإرادة العامة والسيادة الشعبية؛
- تقديم مونتسكيو ونظرية فصل السلط؛
- تحديد أثر هذه الأفكار في الثورات والليبرالية والدساتير الحديثة.
6.1 منطق العقد الاجتماعي
تشترك نظريات العقد الاجتماعي (القرنان 17 و18) في بنية واحدة:
- حالة الطبيعة: وضع افتراضي للبشر قبل وجود الدولة؛
- العقد: اتفاق إرادي بين الأفراد للخروج من حالة الطبيعة؛
- الدولة (المجتمع المدني): سلطة ناتجة عن العقد، تستمد مشروعيتها من رضا الأفراد لا من الله أو الطبيعة أو التقاليد.
الأهمية: نقل أساس المشروعية من الدين إلى إرادة الأفراد الأحرار والمتساوين، فكان ذلك ثورة فكرية أسست للديمقراطية الحديثة. لكن المفكرين اختلفوا في تصور حالة الطبيعة، وأطراف العقد، ومضمونه، ونتائجه.
6.2 توماس هوبز: الليفياثان
توماس هوبز (1588-1679)، إنجليزي عاش الحرب الأهلية الإنجليزية وإعدام الملك شارل الأول (1649)؛ أهم مؤلفاته الليفياثان (1651).
حالة الطبيعة: البشر متساوون في القدرة على إيذاء بعضهم، تحركهم الأنانية والخوف من الموت العنيف والرغبة في القوة؛ فهي «حرب الكل ضد الكل»، حيث «الإنسان ذئب للإنسان»، والحياة «منعزلة، فقيرة، كريهة، وحشية وقصيرة»؛ لا ملكية ولا عدل ولا ظلم.
العقد: يتفق الأفراد فيما بينهم على التنازل عن كل حقوقهم الطبيعية (ما عدا حق الحفاظ على الحياة) لصالح شخص أو مجلس (السيد)، الذي ليس طرفا في العقد، فلا يلتزم بشيء تجاههم.
الدولة: الليفياثان، «الإله الفاني»؛ سلطته مطلقة وغير قابلة للتجزئة؛ يحدد العدل والملكية والدين الرسمي؛ ولا يحق للرعايا مقاومته، إلا إذا عجز عن حمايتهم أو هدد حياتهم، لأن غاية العقد هي الأمن.
الأهمية: أسس الدولة على العقد والمصلحة بدل الحق الإلهي (أساس حديث)، لكن انتهى إلى الحكم المطلق؛ ويعتبر مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة والوضعية القانونية («السلطة لا الحقيقة هي التي تصنع القانون»).
6.3 جون لوك: الحكومة المدنية
جون لوك (1632-1704)، مفكر الثورة المجيدة (1688)؛ ألف رسالتان في الحكم المدني (1690) ورسالة في التسامح (1689).
حالة الطبيعة: حالة حرية ومساواة، يحكمها القانون الطبيعي (العقل) الذي يفرض عدم الإضرار بالغير في حياته وحريته وأمواله؛ ويملك كل فرد حقوقا طبيعية: الحياة، الحرية، الملكية (التي تنشأ عن العمل)؛ لكنها حالة غير آمنة لغياب قاض محايد وسلطة تنفذ الأحكام.
العقد: يتنازل الأفراد فقط عن حق العقاب والفصل في النزاعات، لتأسيس مجتمع مدني وحكومة تحمي حقوقهم؛ والأغلبية تقرر.
الحكومة المقيدة:
- غايتها حماية الحقوق الطبيعية، ولا سيما الملكية (بمعناها الواسع: الحياة والحرية والأموال)؛
- السلطة التشريعية عليا لكنها مقيدة بالقانون الطبيعي، ولا يجوز لها فرض الضرائب دون رضا المحكومين أو ممثليهم؛
- التمييز بين السلطة التشريعية والتنفيذية والاتحادية (العلاقات الخارجية)؛
- التسامح الديني (باستثناء الملحدين والكاثوليك في تصوره التاريخي).
حق المقاومة: إذا خانت الحكومة الأمانة واعتدت على الحقوق، يحق للشعب مقاومتها وتغييرها، لأن السلطة وديعة (ائتمان) لا ملكية.
التأثير: أب الليبرالية؛ أثر في إعلان الاستقلال الأمريكي (1776: الحق في الحياة والحرية والسعي إلى السعادة، حق الشعب في تغيير الحكومة)، وإعلان 1789.
6.4 جان جاك روسو: العقد الاجتماعي والإرادة العامة
جان جاك روسو (1712-1778)، من جنيف؛ ألف خطاب حول أصل التفاوت بين الناس (1755) والعقد الاجتماعي (1762).
حالة الطبيعة: الإنسان طيب بطبعه، حر ومستقل؛ أفسده المجتمع مع ظهور الملكية («أول من سيج أرضا وقال: هذه لي…»)، فنشأ التفاوت؛ «يولد الإنسان حرا، وهو في كل مكان مكبل بالأغلال».
العقد: يتنازل كل فرد عن كل حقوقه للجماعة كلها، فلا يخضع لأحد بعينه، بل للإرادة العامة التي يشارك فيها؛ فيسترجع حرية مدنية أسمى، ويصبح مواطنا (جزءا من السيد) ورعية (خاضعا للقوانين) في آن واحد.
الإرادة العامة: إرادة الجماعة الموجهة نحو المصلحة العامة، وتختلف عن إرادة الجميع (مجموع المصالح الخاصة)؛ وهي لا تخطئ ولا تمثل؛ والقانون هو تعبير عنها.
السيادة الشعبية: السيادة للشعب، غير قابلة للتصرف ولا للتجزئة ولا للتمثيل؛ فـ«النواب ليسوا ممثلين للشعب بل مندوبون عنه»، ومن هنا تفضيل الديمقراطية المباشرة والاستفتاء والوكالة الإلزامية؛ والحكومة مجرد منفذ للقانون، يمكن للشعب عزله.
الانتقادات: خطر إكراه الفرد باسم الإرادة العامة («إجبار المرء على أن يكون حرا»)، فاتهمه البعض بتمهيد الشمولية؛ لكنه أسس للسيادة الشعبية والمساواة.
6.5 مونتسكيو وفصل السلط
مونتسكيو (1689-1755)، قاض فرنسي؛ ألف الرسائل الفارسية (1721) وروح القوانين (1748).
المنهج: القوانين علاقات ضرورية تنتج عن طبيعة الأشياء: المناخ، التربة، الدين، العادات، التجارة؛ فلا يوجد نظام صالح لكل الشعوب (منهج سوسيولوجي مقارن).
الأنظمة الثلاثة ومبادئها: الجمهورية (ديمقراطية أو أرستقراطية) ومبدؤها الفضيلة؛ الملكية ومبدؤها الشرف؛ الاستبداد ومبدؤه الخوف.
فصل السلط: انطلاقا من الدستور الإنجليزي: «كل إنسان يملك السلطة ميال إلى إساءة استعمالها…؛ ولكي لا يساء استعمال السلطة، يجب أن توقف السلطة السلطة»؛ فيجب توزيع السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية على هيئات مختلفة، مع التوازن والرقابة المتبادلة (حق المنع، حق البت)؛ وإذا اجتمعت السلطات في يد واحدة، انعدمت الحرية.
التأثير: أساس الدساتير الحديثة: الدستور الأمريكي (1787)، إعلان 1789 (المادة 16: «كل مجتمع لا تضمن فيه الحقوق ولا يتحدد فيه فصل السلط ليس له دستور»)، والفصل 1 من الدستور المغربي (فصل السلط وتوازنها وتعاونها).
6.6 الأنوار والثورات والليبرالية
فلسفة الأنوار: العقل والنقد والتقدم؛ فولتير (التسامح، حرية التعبير)، الموسوعيون (ديدرو، دالمبير)، كانط («ما الأنوار؟»، 1784: «تجرأ على استعمال عقلك»).
الثورات:
- الأمريكية: إعلان الاستقلال (1776)، الدستور (1787)، الفدرالي (هاملتون، ماديسون، جاي) حول التوازن والفدرالية؛
- الفرنسية: إعلان حقوق الإنسان والمواطن (1789)، مبدأ السيادة الوطنية («مبدأ كل سيادة يكمن أساسا في الأمة»، المادة 3)، سييس (ما هي الطبقة الثالثة؟، 1789) ونظرية التمثيل.
الليبرالية السياسية: الحرية الفردية والحقوق وتقييد السلطة والتمثيل؛ بنجامان كونستان (حرية القدماء = المشاركة، وحرية المحدثين = الاستقلال الفردي، 1819)؛ توكفيل (الديمقراطية في أمريكا، 1835-1840: خطر طغيان الأغلبية، أهمية الجمعيات واللامركزية)؛ جون ستيوارت ميل (عن الحرية، 1859: مبدأ الضرر).
الليبرالية الاقتصادية: آدم سميث (ثروة الأمم، 1776: اليد الخفية، حرية السوق، دور محدود للدولة).
6.7 منهجية: المقارنة بين مفكري العقد الاجتماعي
| العنصر | هوبز | لوك | روسو |
|---|---|---|---|
| حالة الطبيعة | حرب الكل ضد الكل | حرية ومساواة وقانون طبيعي غير مضمون | براءة وحرية، أفسدها المجتمع |
| ما يتنازل عنه | كل الحقوق إلا الحياة | حق العقاب والفصل فقط | كل الحقوق للجماعة |
| المستفيد | السيد (ليس طرفا) | الحكومة (ائتمان) | الإرادة العامة |
| السلطة | مطلقة | مقيدة بالحقوق | سيادة شعبية غير قابلة للتمثيل |
| المقاومة | فقط لحماية الحياة | حق مقاومة الحكومة الخائنة | الشعب يعزل الحكومة |
| الغاية | الأمن | حماية الحقوق والملكية | الحرية المدنية والمساواة |
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- اعتبار حالة الطبيعة واقعة تاريخية: إنها فرضية منهجية.
- القول إن السيد طرف في العقد عند هوبز.
- الخلط بين الإرادة العامة وإرادة الجميع.
- نسب فصل السلط إلى روسو (الذي يرفض تجزئة السيادة) بدل مونتسكيو.
- الخلط بين السيادة الوطنية (سييس، الأمة، التمثيل) والسيادة الشعبية (روسو، الشعب، الديمقراطية المباشرة).
Exercice 1 — سؤال مقالي
«يجب أن توقف السلطة السلطة» (مونتسكيو).
- اشرح نظرية فصل السلط وسياقها.
- لماذا يرفض روسو تجزئة السيادة؟
- بين أثر النظرية في الدستور المغربي لسنة 2011.
Voir le corrigé
1. فصل السلط. انطلق مونتسكيو من الطبيعة البشرية («كل إنسان يملك السلطة ميال إلى إساءة استعمالها») ومن ملاحظة الدستور الإنجليزي؛ فالحرية السياسية لا توجد إلا في الأنظمة المعتدلة حيث توزع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على هيئات مختلفة، مع وسائل متبادلة للمنع والبت تجعلها تتوازن؛ وكان هدفه نقد الحكم المطلق الفرنسي وحماية الحرية.
2. موقف روسو. السيادة عند روسو هي الإرادة العامة، وهي واحدة وغير قابلة للتجزئة ولا للتمثيل؛ فتجزئتها تعني تفكيك الجسم السياسي إلى أجزاء متنافسة؛ لكنه يميز بين السيادة (التشريع، للشعب) والحكومة (التنفيذ، هيئة تابعة)، فيقبل تمييز الوظائف لا تقسيم السيادة.
3. الدستور المغربي. ينص الفصل 1 على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ ويوزع الدستور السلطة التشريعية (البرلمان)، والتنفيذية (الحكومة، مع اختصاصات ملكية)، والقضائية المستقلة (الفصل 107)، مع آليات للتوازن (ملتمس الرقابة، حل البرلمان، الرقابة الدستورية)؛ فهو يعتمد فصلا مرنا مقرونا بالتعاون، مع مكانة خاصة للملك بصفته أميرا للمؤمنين ورئيسا للدولة وحكما أسمى بين مؤسساتها (الفصلان 41 و42).
Exercice 2 — هوبز أم لوك أم روسو؟
- السيد ليس طرفا في العقد؛ 2) لا ضرائب دون رضا المحكومين؛ 3) النواب مندوبون لا ممثلون؛ 4) حق الشعب في مقاومة الحكومة الخائنة للأمانة.
Voir le corrigé
- هوبز؛ 2) لوك؛ 3) روسو؛ 4) لوك.
Exercice 3 — سيادة وطنية أم شعبية؟
- السيادة للأمة كجسم مجرد يمارسها النواب؛ 2) السيادة موزعة على المواطنين والاستفتاء أصل؛ 3) الوكالة الإلزامية؛ 4) الوكالة التمثيلية الحرة.
Voir le corrigé
- وطنية (سييس)؛ 2) شعبية (روسو)؛ 3) شعبية؛ 4) وطنية.
الخلاصة — العقد الاجتماعي والأنوار
- البنية: حالة الطبيعة (فرضية) ← العقد ← الدولة؛ المشروعية من رضا الأفراد.
- هوبز (1588-1679، الليفياثان 1651، الحرب الأهلية): «حرب الكل ضد الكل»، «الإنسان ذئب للإنسان»؛ تنازل عن كل الحقوق إلا الحياة لسيد ليس طرفا؛ سلطة مطلقة؛ المقاومة فقط لحماية الحياة؛ غاية الأمن؛ أساس الوضعية القانونية.
- لوك (1632-1704، رسالتان 1690، الثورة المجيدة 1688): حالة طبيعة حرة يحكمها القانون الطبيعي؛ الحياة والحرية والملكية (بالعمل)؛ تنازل عن حق العقاب فقط؛ حكومة مقيدة، لا ضرائب دون رضا، تشريعية/تنفيذية/اتحادية؛ حق المقاومة؛ التسامح؛ أب الليبرالية (1776، 1789).
- روسو (1712-1778، العقد الاجتماعي 1762، خطاب التفاوت 1755): الإنسان طيب أفسده المجتمع والملكية؛ «يولد الإنسان حرا…»؛ تنازل كامل للجماعة؛ الإرادة العامة ≠ إرادة الجميع؛ السيادة الشعبية غير قابلة للتمثيل والتجزئة؛ الديمقراطية المباشرة؛ خطر الإكراه.
- مونتسكيو (روح القوانين 1748): طبيعة الأشياء والمناخ؛ الجمهورية/الفضيلة، الملكية/الشرف، الاستبداد/الخوف؛ «السلطة توقف السلطة»، فصل السلط والتوازن؛ أثره: دستور 1787، المادة 16 من إعلان 1789، الفصل 1 من الدستور المغربي.
- الأنوار والثورات: فولتير، الموسوعيون، كانط (1784)؛ 1776، 1787، الفدرالي؛ 1789 والسيادة الوطنية (سييس).
- الليبرالية: كونستان (حرية القدماء والمحدثين، 1819)، توكفيل (طغيان الأغلبية، 1835-1840)، ميل (عن الحرية 1859، مبدأ الضرر)، آدم سميث (ثروة الأمم 1776، اليد الخفية).