الفكر السياسي الإسلامي: من الخلافة إلى ابن خلدون
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تحديد الأسس السياسية في المرجعية الإسلامية: الشورى، العدل، البيعة، الطاعة؛
- شرح الخلاف حول الإمامة بين الفرق الإسلامية الكبرى؛
- تقديم الفلسفة السياسية عند الفارابي؛
- تحليل نظرية الخلافة في الفقه السياسي عند الماوردي والغزالي؛
- عرض مفهوم السياسة الشرعية عند ابن تيمية؛
- شرح نظرية العصبية وأطوار الدولة عند ابن خلدون.
4.1 الأسس السياسية في المرجعية الإسلامية
لم يحدد القرآن والسنة نظاما سياسيا تفصيليا، لكنهما وضعا مبادئ عامة:
- الشورى: «وأمرهم شورى بينهم» (سورة الشورى، الآية 38)، «وشاورهم في الأمر» (آل عمران، 159)؛
- العدل: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» (النحل، 90)، «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» (النساء، 58)؛
- الطاعة المشروطة: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (النساء، 59)، مع قاعدة «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»؛
- الأمانة والمسؤولية: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»؛
- وحدة الأمة والمساواة بين المؤمنين.
صحيفة المدينة (السنة الأولى للهجرة): وثيقة نظمت العلاقات بين المهاجرين والأنصار واليهود وغيرهم في المدينة، فاعتبرها كثيرون أول دستور مكتوب ينظم جماعة سياسية متعددة.
البيعة: عقد بين الحاكم والأمة، تلتزم بمقتضاه الأمة بالطاعة في المعروف، ويلتزم الحاكم بإقامة الدين والعدل ورعاية المصالح؛ وقد عرفت أشكالا متعددة في الخلافة الراشدة (اختيار أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، العهد إلى عمر، الشورى في الستة لاختيار عثمان، بيعة علي)؛ ولا تزال البيعة أساسا للمشروعية في الملكية المغربية إلى جانب الدستور.
4.2 الخلاف حول الإمامة
أدت الفتنة الكبرى (مقتل عثمان سنة 35 هـ، ثم الصراع بين علي ومعاوية) إلى ظهور مواقف متباينة حول الإمامة:
- أهل السنة والجماعة: الإمامة واجبة بالشرع، تنعقد باختيار أهل الحل والعقد أو بعهد الإمام السابق، ويشترط في الإمام شروط (العلم، العدالة، الكفاءة، النسب القرشي عند الأغلب)؛ ويقبلون إمامة المتغلب درءا للفتنة؛
- الشيعة: الإمامة ركن من أركان الدين، تكون بالنص والتعيين من الله ورسوله في علي وذريته، والإمام معصوم عند الإمامية؛ ومن هنا نظرية الغيبة ثم ولاية الفقيه المعاصرة؛
- الخوارج: الإمامة حق لكل مسلم كفء ولو لم يكن قرشيا، تكون بالاختيار الحر، ويجب الخروج على الإمام الجائر؛ وبعضهم (النجدات) رأى عدم وجوب الإمامة إذا تناصف الناس؛
- المعتزلة: الإمامة واجبة بالعقل عند بعضهم، مع التشديد على العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4.3 الفارابي: المدينة الفاضلة
أبو نصر الفارابي (260-339 هـ / 874-950 م)، «المعلم الثاني» بعد أرسطو؛ من أهم مؤلفاته السياسية آراء أهل المدينة الفاضلة والسياسة المدنية.
ضرورة الاجتماع: الإنسان محتاج إلى غيره لبلوغ كماله، فالاجتماع ضروري؛ والاجتماعات كاملة (عظمى: المعمورة كلها؛ وسطى: الأمة؛ صغرى: المدينة) وناقصة (القرية، المحلة).
المدينة الفاضلة: هي التي يتعاون أهلها على بلوغ السعادة الحقيقية؛ وتشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه، وعلى رأسها الرئيس الأول الذي يشبه القلب؛ ويجمع الرئيس بين الحكمة الفلسفية والنبوة أو الاتصال بالعقل الفعال، وتتوفر فيه خصال (تمام الأعضاء، جودة الفهم والحفظ، الذكاء، حسن العبارة، حب العلم، الصدق، الزهد، العدل، العزم…)؛ وإذا لم تجتمع في شخص واحد، أمكن الرئاسة المشتركة.
المدن المضادة: الجاهلة (لا تعرف السعادة: الضرورية، البدالة، الخسة، الكرامة، التغلب، الجماعية)، الفاسقة (تعرف السعادة وتعمل بخلافها)، المبدلة، الضالة.
التأثير: حاول التوفيق بين أفلاطون والإسلام (الفيلسوف والنبي)، وأثر في ابن سينا وابن رشد.
4.4 الماوردي والغزالي: الفقه السياسي للخلافة
أبو الحسن الماوردي (364-450 هـ / 974-1058 م)، قاضي القضاة ببغداد؛ ألف الأحكام السلطانية في سياق ضعف الخلافة العباسية أمام البويهيين ثم السلاجقة، دفاعا عن مشروعيتها.
تعريف الإمامة: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»، وعقدها واجب بالإجماع.
طرق انعقادها: اختيار أهل الحل والعقد (ولو بعدد قليل)، أو عهد الإمام السابق (الاستخلاف).
شروط الإمام (سبعة): العدالة، العلم المؤدي إلى الاجتهاد، سلامة الحواس، سلامة الأعضاء، الرأي المفضي إلى سياسة الرعية، الشجاعة والنجدة، النسب القرشي.
واجبات الإمام (عشرة): حفظ الدين، تنفيذ الأحكام، حماية البيضة، إقامة الحدود، تحصين الثغور، الجهاد، جباية الفيء والصدقات، تقدير العطايا، استكفاء الأمناء، مباشرة الأمور بنفسه.
الواقعية: قبل إمارة الاستيلاء (الأمير المتغلب على إقليم) إذا اعترف بالخليفة وطبق الشرع، حفاظا على وحدة الأمة الشكلية.
أبو حامد الغزالي (450-505 هـ / 1058-1111 م): ربط بين الدين والسلطان: «الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع»؛ وقبل، تحت ضغط الواقع، إمامة المتغلب درءا للفتنة، فـ«سلطان غشوم خير من فتنة تدوم» (قول متداول في الأدبيات السلطانية)؛ وكتب نصيحة الملوك.
4.5 ابن تيمية: السياسة الشرعية
تقي الدين ابن تيمية (661-728 هـ / 1263-1328 م): عاش بعد سقوط بغداد (1258) على يد المغول؛ ألف السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية.
أفكاره:
- الولاية (السلطة) من أعظم واجبات الدين، بل «لا قيام للدين إلا بها»، لأن مصالح الناس لا تتم إلا بالاجتماع، والاجتماع يحتاج إلى رأس؛
- قلل من أهمية شكل الخلافة وشروطها النظرية، وركز على وظيفة الحكم: أداء الأمانات إلى أهلها (تولية الأصلح) والحكم بالعدل؛
- «إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة»؛
- الطاعة في المعروف، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشورى؛
- التعاون بين العلماء والأمراء («أولي الأمر» صنفان).
الأدبيات السلطانية: إلى جانب الفقه، عرف التراث مرايا الأمراء ونصائح الملوك (ابن المقفع الأدب الكبير، الطرطوشي سراج الملوك)، التي تقدم حكما عملية للحاكم.
4.6 ابن خلدون: العصبية وأطوار الدولة
عبد الرحمن ابن خلدون (732-808 هـ / 1332-1406 م)، ولد بتونس وتنقل بين فاس وغرناطة وبجاية وتوفي بالقاهرة؛ ألف المقدمة (1377)، مؤسسا لعلم العمران البشري، أي علم الاجتماع.
الاجتماع ضروري: «الإنسان مدني بالطبع»، يحتاج إلى غيره للغذاء والدفاع؛ ويحتاج الاجتماع إلى وازع (سلطة) يدفع العدوان بين الناس.
العصبية: رابطة التضامن والتناصر القائمة على النسب أو ما في معناه (الولاء، الحلف)؛ وهي أساس الملك: «الملك غاية العصبية»؛ والبداوة أقوى عصبية من الحضارة؛ والدين يقوي العصبية ويوحدها (الدعوة الدينية تزيد الدولة قوة).
أطوار الدولة الخمسة:
- الظفر بالملك والاستيلاء، المجد فيه مشترك مع العصبية؛
- الاستبداد والانفراد بالملك دون العصبية واصطناع الموالي؛
- الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك (الجباية، البناء، الترف)؛
- القنوع والمسالمة وتقليد السابقين؛
- الإسراف والتبذير، فتضعف الدولة وتهرم. عمر الدولة: في الغالب ثلاثة أجيال (حوالي 120 سنة)، لأن الترف يفسد العصبية والشجاعة.
أنواع الحكم: الملك الطبيعي (حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة)، الملك السياسي (على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية)، الخلافة (حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية).
أفكار أخرى: «الظلم مؤذن بخراب العمران»، والضرائب المرتفعة تقلل الجباية لأنها تثبط الإنتاج (فكرة شبيهة بمنحنى لافر)، و«المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب».
التقييم: واقعي يفسر ما هو كائن بمنهج تاريخي اجتماعي، خلافا للفارابي المعياري؛ ويعتبر رائدا لعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ.
4.7 منهجية: تحليل نص في الفكر السياسي الإسلامي
- حدد المؤلف والمؤلف والعصر (قوة الخلافة أو ضعفها، الغزو الخارجي).
- حدد النوع: فلسفة سياسية (الفارابي)، فقه سياسي (الماوردي)، سياسة شرعية (ابن تيمية)، علم عمران (ابن خلدون)، أدب سلطاني.
- حدد المفاهيم: الإمامة، البيعة، الشورى، أهل الحل والعقد، العصبية، العدل.
- قارن بالمفكرين الآخرين، داخل التراث الإسلامي وخارجه.
- قيم المساهمة والراهنية (البيعة وإمارة المؤمنين في الدستور المغربي).
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- القول إن القرآن حدد نظاما سياسيا مفصلا: حدد مبادئ عامة.
- الخلط بين الفارابي (فلسفة، المدينة الفاضلة) والماوردي (فقه، الأحكام السلطانية).
- نسب العصبية وأطوار الدولة لغير ابن خلدون.
- تقديم الفكر الإسلامي كتلة واحدة: تعددت المدارس والمواقف.
- إغفال السياق: كتب الماوردي في ضعف الخلافة، وابن تيمية بعد سقوط بغداد.
Exercice 1 — سؤال مقالي
«الملك غاية العصبية» (ابن خلدون، المقدمة).
- عرف العصبية وبين دورها في قيام الدولة.
- اشرح أطوار الدولة وأسباب هرمها.
- قارن بين منهج ابن خلدون ومنهج الماوردي في تناول السلطة.
Voir le corrigé
1. العصبية. رابطة التضامن والتناصر بين أفراد جماعة، قوامها النسب أو ما يقوم مقامه (الولاء، الحلف)؛ وهي قوة تدفع الجماعة إلى المطالبة والدفاع، وتبلغ غايتها في الملك، أي الاستيلاء على السلطة؛ ولا تقوم دولة دون عصبية غالبة، والدين يقويها حين يوحد الهدف ويزيل التنافس.
2. الأطوار والهرم. خمسة أطوار: الظفر، الاستبداد، الفراغ والدعة، القنوع والمسالمة، الإسراف والتبذير؛ وتهرم الدولة لأن الترف والدعة يفسدان الأخلاق والشجاعة ويضعفان العصبية، ولأن الاستبداد يقصي العصبية الأصلية ويعوضها بالموالي، ولأن الإسراف يدفع إلى الظلم والضرائب المرهقة التي تخرب العمران؛ فعمر الدولة في الغالب ثلاثة أجيال.
3. المقارنة. الماوردي فقيه معياري يحدد ما يجب أن يكون: شروط الإمام، طرق انعقاد الإمامة، واجباته، انطلاقا من الشرع ودفاعا عن مشروعية الخلافة العباسية؛ أما ابن خلدون فمؤرخ وعالم اجتماع وصفي تفسيري، يدرس ما هو كائن: كيف تنشأ الدول وتسقط فعلا، بأسباب اجتماعية (العصبية، البداوة، الترف) واقتصادية (الجباية)، دون أن ينفي دور الدين؛ فالأول فقه سياسي، والثاني علم للعمران.
Exercice 2 — من صاحب الفكرة؟
- الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا؛ 2) الملك غاية العصبية؛ 3) المدينة الفاضلة يرأسها الرئيس الأول؛ 4) الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة.
Voir le corrigé
- الماوردي؛ 2) ابن خلدون؛ 3) الفارابي؛ 4) ابن تيمية.
Exercice 3 — رتب أطوار الدولة عند ابن خلدون
الإسراف؛ الظفر؛ القنوع؛ الاستبداد؛ الفراغ والدعة.
Voir le corrigé
الظفر ← الاستبداد ← الفراغ والدعة ← القنوع والمسالمة ← الإسراف والتبذير.
الخلاصة — الفكر السياسي الإسلامي
- المبادئ: الشورى (الشورى 38، آل عمران 159)، العدل (النحل 90، النساء 58)، الطاعة المشروطة (النساء 59، لا طاعة في معصية)، الأمانة والمسؤولية؛ صحيفة المدينة؛ البيعة عقد؛ صيغ الخلافة الراشدة.
- الإمامة بعد الفتنة الكبرى: السنة (واجبة شرعا، الاختيار أو العهد، الشروط، قبول المتغلب)، الشيعة (النص، العصمة عند الإمامية)، الخوارج (الاختيار الحر، الخروج على الجائر)، المعتزلة (العدل، الأمر بالمعروف).
- الفارابي (874-950، آراء أهل المدينة الفاضلة): ضرورة الاجتماع، المدينة كالبدن، الرئيس الأول الحكيم، المدن الجاهلة والفاسقة والمبدلة والضالة.
- الماوردي (974-1058، الأحكام السلطانية): «خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»؛ أهل الحل والعقد أو العهد؛ سبعة شروط؛ عشرة واجبات؛ إمارة الاستيلاء.
- الغزالي: «الدين أس والسلطان حارس»؛ قبول المتغلب درءا للفتنة.
- ابن تيمية (1263-1328، السياسة الشرعية): الولاية من أعظم واجبات الدين؛ الأمانة والعدل؛ الدولة العادلة؛ العلماء والأمراء؛ الأدب السلطاني.
- ابن خلدون (1332-1406، المقدمة 1377): «الإنسان مدني بالطبع»، الوازع؛ العصبية، «الملك غاية العصبية»، البداوة والدين؛ خمسة أطوار، ثلاثة أجيال (120 سنة)؛ الملك الطبيعي والسياسي والخلافة؛ «الظلم مؤذن بخراب العمران»؛ منهج واقعي رائد لعلم الاجتماع.