النظام القانوني للحريات العامة: التنظيم والحدود والضمانات
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تحديد السلطة المختصة بتنظيم الحريات العامة؛
- التمييز بين النظام الزجري والنظام الوقائي ونظام التصريح المسبق؛
- تحليل مفهوم النظام العام كحد لممارسة الحريات؛
- تطبيق شروط تقييد الحريات: الشرعية والضرورة والتناسب؛
- شرح وضع الحريات في الظروف الاستثنائية (حالة الاستثناء، الحصار، الطوارئ الصحية)؛
- تقديم الضمانات القضائية وغير القضائية للحريات.
4.1 من ينظم الحريات؟
المبدأ: القانون. حسب الفصل 71 من الدستور، يختص القانون بالتشريع في ميادين منها «الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من هذا الدستور»، و«نظام الأحزاب السياسية»، و«نظام الجمعيات»، و«حرية الصحافة»… والغاية أن ممثلي الأمة وحدهم يقيدون الحرية، وفق نقاش علني وتعددي.
النتائج:
- لا يجوز للحكومة أن تنظم الحريات بمرسوم مستقل؛ ودورها يقتصر على التطبيق في حدود القانون؛
- المرسوم بقانون (الفصل 81) ممكن في الفترة الفاصلة بين الدورات، بشرط المصادقة البرلمانية اللاحقة؛
- بعض الحريات تنظم بقانون تنظيمي (الأحزاب، الإضراب)، مع رقابة دستورية إجبارية؛
- حدود المشرع نفسه: لا يجوز له أن يفرغ الحرية من محتواها؛ ويراقبه القاضي الدستوري.
دور الإدارة: تتدخل الإدارة في إطار الضبط الإداري لحماية النظام العام، لكن في حدود القانون، وتحت رقابة القاضي الإداري.
4.2 أنظمة ممارسة الحريات
النظام الزجري (أو العقابي، الأكثر ليبرالية): تمارس الحرية بحرية تامة، دون إجراء مسبق، ولا يتدخل القانون إلا بعديا لمعاقبة التجاوزات أمام القضاء. مثاله: حرية الصحافة في الأنظمة الليبرالية (لا ترخيص ولا رقابة مسبقة، مع مسؤولية عن القذف أو التحريض). ويكرس الفصل 28 هذا النظام في الصحافة: «حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية».
نظام التصريح المسبق (الإخطار): يجب إخبار السلطة الإدارية قبل ممارسة الحرية، لتمكينها من اتخاذ الاحتياطات اللازمة (الأمن، المرور)؛ ولا تحتاج الممارسة إلى إذن، وتسلم الإدارة وصلا. مثاله بالمغرب: تأسيس الجمعيات (ظهير 1958)، الاجتماعات العمومية، المظاهرات في الطرق العمومية؛ ويمكن للإدارة منع المظاهرة بقرار معلل إذا قدرت أنها تهدد النظام العام.
النظام الوقائي (أو الترخيص المسبق، الأكثر تقييدا): لا تمارس الحرية إلا بعد الحصول على إذن أو ترخيص من الإدارة، التي تملك سلطة تقديرية في المنح أو الرفض. مثاله: فتح محل لبعض الأنشطة المقننة، البث الإذاعي والتلفزي (ترخيص الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري)، حمل السلاح؛ أو في صورته القصوى: المنع المطلق لنشاط ما (نادر وخطير).
الترتيب: يعتبر الفقه أن النظام الزجري هو الأصل في دولة القانون، وأن التصريح والترخيص استثناءات يجب أن يبررها القانون.
4.3 النظام العام كحد للحريات
المفهوم: النظام العام مفهوم مرن ومتطور، يعني الحد الأدنى من الأمن والطمأنينة والصحة والسكينة الضروري للحياة المشتركة؛ وتضيف إليه بعض الأنظمة الأخلاق العامة والكرامة الإنسانية (قرار مورسان-سور-أورج الفرنسي سنة 1995 حول منع عرض «رمي الأقزام»).
عناصره التقليدية:
- الأمن العام: منع الجرائم والحوادث والاضطرابات؛
- الصحة العامة: مكافحة الأوبئة، النظافة، مراقبة الأغذية؛
- السكينة العامة: منع الضجيج والإزعاج.
الأساس في النصوص الدولية: المادة 29 من الإعلان العالمي، والمواد 12 و18 و19 و21 و22 من العهد الدولي، التي تسمح بالقيود المنصوص عليها في القانون والضرورية في مجتمع ديمقراطي لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم.
بالمغرب: تتضمن ثوابت المملكة (الدين الإسلامي، الوحدة الوطنية، الملكية الدستورية، الاختيار الديمقراطي) حدودا خاصة لبعض الحريات، كما في الفصل 175 حول المراجعة، وفي قوانين الأحزاب والجمعيات والصحافة.
4.4 شروط تقييد الحريات
يستخلص الفقه والاجتهاد الدولي والوطني ثلاثة شروط تراكمية (اختبار الثلاثي):
- الشرعية: أن يكون القيد منصوصا عليه في القانون، بنص واضح ودقيق ومتاح يمكن توقع آثاره؛
- المشروعية (الغاية المشروعة): أن يهدف القيد إلى حماية مصلحة من المصالح المحددة (النظام العام، الصحة، حقوق الغير)؛
- الضرورة والتناسب: أن يكون القيد ضروريا في مجتمع ديمقراطي، ومتناسبا مع الهدف، أي أخف الوسائل الممكنة؛ فلا يجوز المنع المطلق إذا كان التنظيم كافيا (تغيير مسار المظاهرة بدل منعها).
قاعدة: «الحرية هي الأصل والقيد استثناء»، ويفسر الاستثناء تفسيرا ضيقا؛ وقد عبر عنها مفوض الحكومة الفرنسي كوربيي في قرار بنجامان (1933): «الحرية هي القاعدة، والقيد الشرطي هو الاستثناء»، حين ألغى مجلس الدولة منع محاضرة لم يكن الاضطراب المحتمل منها مما يعجز الأمن عن مواجهته.
4.5 الحريات في الظروف الاستثنائية
حالة الاستثناء (الفصل 59): يعلنها الملك بظهير إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيسي المجلسين ورئيس المحكمة الدستورية وتوجيه خطاب إلى الأمة؛ ويخول الملك اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية والرجوع إلى السير العادي؛ لكن: «تبقى الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة»، ولا يحل البرلمان.
حالة الحصار (الفصل 74): تعلن بظهير يوقعه رئيس الحكومة بالعطف، لمدة ثلاثين يوما، ولا يمكن تمديدها إلا بقانون؛ وتنقل فيها بعض صلاحيات الضبط إلى السلطة العسكرية.
حالة الطوارئ الصحية: صدر المرسوم بقانون رقم 2.20.292 (مارس 2020) المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية، لمواجهة جائحة كوفيد-19؛ وسمح للحكومة باتخاذ تدابير استثنائية (تقييد التنقل، الحجر الصحي، منع التجمعات، فرض الكمامة)، مع عقوبات على المخالفين؛ وأثار نقاشا حول التناسب والمدة والرقابة.
القيود الدولية: تسمح المادة 4 من العهد الدولي بالتحلل من بعض الالتزامات في حالة طوارئ عامة رسمية، بشروط: الإعلان الرسمي، الضرورة القصوى، عدم التمييز، إخطار الأمين العام للأمم المتحدة؛ مع عدم المساس بالحقوق غير القابلة للتحلل.
4.6 ضمانات الحريات
الضمانات القضائية:
- القاضي الدستوري: رقابة القوانين، الدفع بعدم الدستورية (الفصل 133)؛
- القاضي الإداري: إلغاء قرارات الضبط غير المشروعة أو غير المتناسبة، إيقاف التنفيذ، التعويض (القانون 41.90)؛
- القاضي العادي: حارس الحرية الفردية والملكية، يراقب الاعتقال والحراسة النظرية والتفتيش، ويعاقب الاعتداء على الحريات من طرف الموظفين (الفصل 225 وما يليه من القانون الجنائي حول الشطط في استعمال السلطة ضد الأفراد).
الضمانات غير القضائية:
- البرلمان: التشريع، الرقابة (الأسئلة، لجان تقصي الحقائق)؛
- المؤسسات الوطنية: المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الوسيط، هيئة المناصفة؛
- المجتمع المدني والصحافة والرأي العام؛
- الآليات الدولية (الفصل 2 من هذه الدروس).
4.7 منهجية: تقييم مشروعية تقييد حرية
- حدد الحرية المعنية وأساسها (الفصل من الدستور، المادة من العهد).
- حدد نظام ممارستها: زجري، تصريح، ترخيص؟
- الشرعية: هل يستند القيد إلى قانون واضح؟ هل السلطة مختصة؟
- الغاية: هل يهدف إلى حماية النظام العام أو حقوق الغير؟
- الضرورة والتناسب: هل هناك وسيلة أخف؟ هل المنع مطلق أم محدود زمانا ومكانا؟
- الظروف: عادية أم استثنائية؟ وهل يمس القيد حقا غير قابل للمساس؟
- الطعن: أمام أي قاض؟ وما الطلبات (إلغاء، إيقاف تنفيذ، تعويض)؟
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين التصريح (إخبار دون إذن) والترخيص (إذن مسبق).
- اعتبار النظام العام مبررا لأي قيد: يجب أن يكون القيد ضروريا ومتناسبا.
- القول إن الحكومة تنظم الحريات بمرسوم: الاختصاص للقانون (الفصل 71).
- القول إن حالة الاستثناء تعلق الحريات: الفصل 59 يؤكد أنها تبقى مضمونة.
- نسيان أن المنع المطلق إجراء استثنائي لا يقبل إلا إذا لم تكف وسيلة أخف.
Exercice 1 — نازلة
قررت جمعية بيئية تنظيم مسيرة سلمية في وسط مدينة للاحتجاج على مشروع صناعي ملوث، فقدمت تصريحا إلى السلطة المحلية قبل خمسة أيام. أصدر الباشا قرارا بمنع المسيرة لأن «الشارع يعرف حركة تجارية كثيفة يوم السبت»، دون أن يقترح مسارا أو تاريخا آخر. ثم أصدر عامل الإقليم قرارا بمنع كل التظاهرات في الإقليم لمدة ستة أشهر. وفي الأسبوع نفسه، اقترح الوزير المعني مرسوما يفرض على الجمعيات الحصول على ترخيص مسبق قبل أي نشاط عمومي.
قيم مشروعية الإجراءات الثلاثة، وحدد طرق الطعن.
Voir le corrigé
أ) قرار الباشا. حرية التظاهر السلمي مضمونة (الفصل 29)، وتخضع لنظام التصريح المسبق (ظهير 1958)، الذي احترمته الجمعية. يمكن للسلطة منع المظاهرة بقرار معلل إذا كانت تهدد النظام العام؛ لكن كثافة الحركة التجارية ليست تهديدا جسيما للنظام العام، ويمكن مواجهتها بتدبير أخف (تغيير المسار أو الساعة). فالمنع غير متناسب، ويقبل الإلغاء وإيقاف التنفيذ أمام المحكمة الإدارية (القانون 41.90)، والاستعجال بالنظر إلى قرب التاريخ.
ب) قرار العامل. منع عام ومطلق لكل التظاهرات في الإقليم لمدة ستة أشهر، دون ظرف استثنائي محدد: يفرغ الحرية من محتواها، ويتجاوز ما تسمح به سلطة الضبط في الظروف العادية؛ فهو غير مشروع لانعدام الضرورة والتناسب، ويمكن الطعن فيه بالإلغاء من طرف الجمعية وكل من له مصلحة.
ج) مشروع المرسوم. فرض ترخيص مسبق على الجمعيات يغير نظام ممارسة حرية الجمعيات من التصريح إلى الترخيص، وهو تقييد لحرية أساسية يدخل في مجال القانون (الفصل 71: «نظام الجمعيات» و«الحقوق والحريات الأساسية»). فلا يجوز للحكومة إقراره بمرسوم؛ ولو صدر، أمكن الطعن فيه بالإلغاء أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض (المادة 9 من 41.90، لأنه مرسوم لرئيس الحكومة) لعيب عدم الاختصاص ومخالفة الدستور والقانون.
Exercice 2 — أي نظام؟
- إصدار جريدة؛ 2) فتح إذاعة خاصة؛ 3) تنظيم مسيرة في الشارع؛ 4) نشر كتاب.
Voir le corrigé
- تصريح لدى النيابة العامة (القانون 88.13)؛ 2) ترخيص من الهاكا (وقائي)؛ 3) تصريح مسبق (ظهير 1958)؛ 4) زجري (لا إجراء مسبق، مسؤولية بعدية).
Exercice 3 — الاختبار الثلاثي
قرار جماعي يمنع نهائيا كل الحفلات الموسيقية في الجماعة بسبب الضجيج. طبق الاختبار.
Voir le corrigé
الشرعية: يجب أن تستند الجماعة إلى سلطة الضبط المخولة قانونا؛ الغاية: السكينة العامة مشروعة؛ التناسب: المنع النهائي والعام غير ضروري، إذ يمكن تحديد الساعات أو مستوى الصوت أو الأماكن؛ فالقرار غير متناسب ويقبل الإلغاء.
الخلاصة — النظام القانوني للحريات
- القانون ينظم الحريات (الفصل 71)، لا المرسوم المستقل؛ المرسوم بقانون (81) بالمصادقة؛ القوانين التنظيمية؛ المشرع لا يفرغ الحرية من محتواها؛ الإدارة تضبط في حدود القانون.
- الأنظمة: الزجري (الأكثر ليبرالية، المعاقبة البعدية؛ الصحافة دون رقابة قبلية، الفصل 28)، التصريح المسبق (الجمعيات، الاجتماعات، المظاهرات؛ وصل؛ منع معلل ممكن)، الوقائي/الترخيص (البث، السلاح)؛ الزجري هو الأصل.
- النظام العام: الأمن، الصحة، السكينة، وأحيانا الأخلاق والكرامة (مورسان-سور-أورج 1995)؛ الأساس الدولي: المادة 29 من الإعلان والمواد 12 و18 و19 و21 و22 من العهد؛ الثوابت بالمغرب.
- الاختبار الثلاثي: الشرعية (نص واضح)، الغاية المشروعة، الضرورة والتناسب (أخف وسيلة)؛ «الحرية هي القاعدة» (بنجامان 1933).
- الاستثنائية: حالة الاستثناء (59: الحريات تبقى مضمونة، لا حل للبرلمان)، الحصار (74، 30 يوما، التمديد بقانون)، الطوارئ الصحية (المرسوم بقانون 2.20.292، 2020)؛ المادة 4 من العهد (إعلان، ضرورة، عدم تمييز، إخطار).
- الضمانات: القاضي الدستوري (133)، الإداري (الإلغاء، الإيقاف، التعويض)، العادي حارس الحرية الفردية (الفصل 225 ق.ج)؛ البرلمان، المؤسسات، المجتمع المدني، الآليات الدولية.