مفهوم حقوق الإنسان والحريات العامة: التعريف والخصائص والأسس
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- التمييز بين حقوق الإنسان والحريات العامة والحقوق الأساسية؛
- تحديد خصائص حقوق الإنسان؛
- تصنيف الحقوق إلى أجيال ومعرفة حدود هذا التصنيف؛
- شرح الأسس الفلسفية والدينية لحقوق الإنسان؛
- تتبع المحطات التاريخية الكبرى لتكريسها؛
- مناقشة إشكالية الكونية والخصوصية.
1.1 التعريف والتمييز بين المفاهيم
حقوق الإنسان: مجموعة الحقوق والحريات التي يتمتع بها كل إنسان لكونه إنسانا، دون تمييز، والتي تهدف إلى حماية كرامته وتمكينه من التفتح الكامل لشخصيته. وهي مفهوم فلسفي ودولي في آن واحد، يعلو على الدول ويفرض عليها التزامات.
الحريات العامة: هي الحريات التي يعترف بها القانون الوضعي للدولة وينظمها ويحميها، فتصبح قابلة للمطالبة بها أمام السلطات والقضاء. ووصفها بالعامة لا يعني أنها حريات جماعية، بل يعني أن السلطة العامة هي التي تتدخل لتنظيمها وضمانها، وأنها مقررة للجميع على قدم المساواة.
الحقوق الأساسية: هي الحقوق التي يكرسها الدستور أو المعاهدات، فتتمتع بسمو على القانون وتحظى بحماية القاضي الدستوري؛ وقد شاع هذا المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية (القانون الأساسي الألماني 1949).
الفرق الجوهري: حقوق الإنسان مثال أعلى ومرجعية، والحريات العامة ترجمتها القانونية في دولة معينة؛ فقد يعترف الخطاب بحق لا يحميه القانون بعد، فيكون حقا من حقوق الإنسان دون أن يصبح حرية عامة.
الحق والحرية: الحرية قدرة على الفعل أو الامتناع دون إكراه (حرية التعبير، التنقل)، تفرض على الدولة في الأصل واجب الامتناع عن التدخل؛ أما الحق بمعناه الضيق فهو مطالبة الدولة بأداء أو خدمة (الحق في التعليم والصحة).
1.2 خصائص حقوق الإنسان
- الكونية (العالمية): تثبت لكل إنسان أينما كان، دون اعتبار للجنس أو اللون أو الدين أو الأصل أو الجنسية؛ وقد أكد إعلان وبرنامج عمل فيينا (1993) أن «جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة»؛
- عدم القابلية للتصرف: لا يجوز التنازل عنها أو بيعها، ولا يجوز سلبها إلا في الحالات والضمانات التي يقررها القانون (كتقييد الحرية بحكم قضائي)؛
- عدم القابلية للتجزئة والترابط: الحقوق المدنية والسياسية لا تنفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ فلا معنى لحرية التعبير مع الأمية، ولا للحق في الحياة مع الجوع؛
- المساواة وعدم التمييز: مبدأ محوري تقوم عليه كل الحقوق؛
- النسبية في الممارسة: أغلب الحقوق غير مطلقة، تقبل قيودا بنص القانون لحماية النظام العام وحقوق الآخرين، باستثناء نواة صلبة من الحقوق غير القابلة للمساس حتى في حالات الطوارئ (الحق في الحياة، منع التعذيب، منع الرق، عدم رجعية القانون الجنائي، حرية الفكر والوجدان والدين) حسب المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
1.3 أجيال حقوق الإنسان
قدم الفقيه كاريل فاساك (1977) تصنيفا يربط الأجيال بشعار الثورة الفرنسية:
الجيل الأول — الحقوق المدنية والسياسية (الحرية): ظهرت مع الثورات الليبرالية في القرن الثامن عشر؛ وهي حريات تفرض على الدولة الامتناع («حقوق ضد الدولة»): الحق في الحياة، السلامة الجسدية، الأمن الشخصي، حرمة الحياة الخاصة، حرية الرأي والتعبير، حرية الدين، التجمع، تكوين الجمعيات، المشاركة السياسية، المحاكمة العادلة.
الجيل الثاني — الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المساواة): ظهرت مع الحركات العمالية والاشتراكية في القرن التاسع عشر والعشرين (الدستور المكسيكي 1917، دستور فايمار 1919، منظمة العمل الدولية 1919)؛ وهي حقوق دائنية تفرض على الدولة التدخل والأداء («حقوق من الدولة»): الحق في الشغل، الضمان الاجتماعي، الصحة، التعليم، السكن، الثقافة، الحرية النقابية والإضراب.
الجيل الثالث — حقوق التضامن (الأخوة): ظهرت مع تصفية الاستعمار وقضايا العولمة في النصف الثاني من القرن العشرين؛ وهي حقوق جماعية تتطلب تضامن الدول والشعوب: الحق في التنمية (إعلان 1986)، الحق في السلم، الحق في بيئة سليمة، الحق في تقرير المصير، الحق في التراث المشترك للإنسانية.
ويتحدث البعض عن جيل رابع مرتبط بالتكنولوجيا: حماية المعطيات الشخصية، الحق في النسيان الرقمي، الأخلاقيات البيولوجية.
حدود التصنيف: يعاب عليه أنه يوحي بتراتبية أو تعاقب زمني بين الحقوق، في حين أنها مترابطة؛ وأن بعض الحقوق تجمع بين الطابعين (الحرية النقابية حرية وحق اجتماعي في الوقت نفسه)؛ وأن الحقوق «السلبية» نفسها تتطلب تدخلا مكلفا من الدولة (تنظيم القضاء والانتخابات).
1.4 الأسس الفلسفية والدينية
مدرسة القانون الطبيعي: الإنسان يملك حقوقا سابقة على وجود الدولة، يكتشفها العقل؛ ومن روادها غروسيوس وجون لوك (الحياة والحرية والملكية).
نظرية العقد الاجتماعي: الدولة تنشأ بعقد بين الأفراد لحماية حقوقهم الطبيعية (لوك)، أو للتعبير عن الإرادة العامة (روسو)؛ وإذا أخلت السلطة بالعقد جاز مقاومتها عند لوك.
الفلسفة الليبرالية والأنوار: مونتسكيو (فصل السلط ضمانة للحرية)، فولتير (التسامح)، كانط (الإنسان غاية لا وسيلة، أساس الكرامة).
النقد الماركسي: يرى أن الحريات «الشكلية» البرجوازية تبقى بلا معنى دون شروط مادية؛ ومنه جاء الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
الأسس الدينية: كرم الإسلام الإنسان («ولقد كرمنا بني آدم»، سورة الإسراء، الآية 70)، وأقر مبادئ العدل والمساواة والشورى وحماية النفس والمال والعرض؛ وتعبر مقاصد الشريعة (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال) عن منظومة لحماية الإنسان. وقد صدر إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام سنة 1990 في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي.
1.5 المحطات التاريخية
- العهد الأعظم (الماغنا كارتا) في إنجلترا (1215): قيود على سلطة الملك وضمانات للنبلاء ضد الاعتقال التعسفي؛
- قانون الهابياس كوربوس (1679): منع الاعتقال دون مثول أمام القاضي؛
- إعلان الحقوق الإنجليزي (1689)؛
- إعلان الاستقلال الأمريكي (1776) وإعلان حقوق فرجينيا (1776): المساواة والحق في الحياة والحرية والسعي إلى السعادة؛
- إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي (26 غشت 1789): «يولد الناس ويعيشون أحرارا ومتساوين في الحقوق» (المادة 1)، والحرية هي «القدرة على فعل كل ما لا يضر بالغير» (المادة 4)؛
- الدساتير الاجتماعية (المكسيك 1917، فايمار 1919)؛
- ميثاق الأمم المتحدة (1945) ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10 دجنبر 1948)، الذي جعل حقوق الإنسان شأنا دوليا، ثم العهدان الدوليان (1966).
1.6 الكونية والخصوصية
الإشكالية: هل حقوق الإنسان كونية تلزم جميع الثقافات، أم أنها نتاج غربي يجب أن يتكيف مع الخصوصيات الحضارية والدينية؟
أطروحة الكونية: الكرامة الإنسانية واحدة، والدول صادقت طوعا على الاتفاقيات، والخصوصية قد تستعمل ذريعة لتبرير الانتهاكات.
أطروحة الخصوصية: لكل مجتمع قيمه ومرجعيته (الدين، الأسرة، الجماعة)، ويجب احترام التنوع الثقافي؛ وتعبر عنها التحفظات على بعض الاتفاقيات.
الموقف التوفيقي: يؤكد إعلان فيينا (1993) الكونية مع مراعاة أهمية الخصوصيات الوطنية والإقليمية والخلفيات التاريخية والثقافية والدينية، دون أن يبرر ذلك المس بالحقوق الأساسية. والدستور المغربي يعبر عن هذا التوازن: ففي الديباجة، تؤكد المملكة تشبثها بحقوق الإنسان «كما هي متعارف عليها عالميا»، مع التزامها بحمايتها والنهوض بها «مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزئة»؛ وتنص على سمو الاتفاقيات «في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة».
1.7 منهجية: تحليل سؤال مفاهيمي
- عرف المفاهيم بدقة: حق الإنسان، حرية عامة، حق أساسي.
- حدد الجيل والطبيعة: حرية تفرض امتناع الدولة أم حق يفرض تدخلها؟
- حدد المصدر: فلسفي، ديني، دولي، دستوري، تشريعي.
- بين الطابع: مطلق (نواة صلبة) أم قابل للتقييد؟
- ناقش الكونية والخصوصية عند الاقتضاء، مع الاستشهاد بالديباجة.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- فهم «الحريات العامة» بمعنى الحريات الجماعية: المقصود أن السلطة العامة تنظمها وتحميها.
- الخلط بين حقوق الإنسان (مرجعية) والحريات العامة (القانون الوضعي).
- اعتبار الأجيال تراتبية: الحقوق مترابطة وغير قابلة للتجزئة.
- القول إن كل الحقوق مطلقة أو إن كلها قابلة للتقييد: توجد نواة صلبة.
- نسب إعلان 1789 إلى الأمم المتحدة أو الإعلان العالمي إلى سنة 1945.
Exercice 1 — تمرين تطبيقي
صنف الحقوق الآتية حسب الأجيال، وحدد هل تفرض على الدولة امتناعا أم أداء، وهل تقبل التقييد في حالة الطوارئ:
- الحق في عدم التعرض للتعذيب.
- الحق في الولوج إلى العلاج.
- حرية الصحافة.
- الحق في بيئة سليمة.
- الحق في الإضراب.
- الحق في حماية المعطيات الشخصية. ثم علق على العبارة: «الحريات العامة هي حقوق الإنسان بعد أن يعترف بها القانون».
Voir le corrigé
1. عدم التعذيب. الجيل الأول؛ يفرض الامتناع؛ وهو حق مطلق من النواة الصلبة لا يقبل أي تقييد ولو في حالة الطوارئ (المادة 4 من العهد، واتفاقية مناهضة التعذيب؛ الفصل 22 من الدستور).
2. العلاج. الجيل الثاني؛ يفرض الأداء (منظومة صحية، تغطية صحية)؛ ويتحقق تدريجيا حسب الموارد (المادة 2 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)؛ الفصل 31 من الدستور.
3. الصحافة. الجيل الأول؛ امتناع عن الرقابة المسبقة (الفصل 28)؛ قابلة للتقييد بقانون في الحدود الضرورية، وتقبل تقييدا أوسع في حالة الطوارئ.
4. البيئة. الجيل الثالث (التضامن)؛ تفرض أداء الدولة وتعاون الجميع (الفصل 31: «الحق في العيش في بيئة سليمة» و«التنمية المستدامة»).
5. الإضراب. حق مختلط: حرية جماعية (الجيل الأول) وحق اجتماعي (الجيل الثاني)؛ يفرض امتناع الدولة عن منعه وتنظيمه بقانون تنظيمي (الفصل 29)؛ قابل للتقييد (الحد الأدنى من الخدمة).
6. المعطيات الشخصية. يربط عادة بالجيل الرابع أو بالحق في الحياة الخاصة (الجيل الأول)؛ يفرض الامتناع والتنظيم (القانون 09.08)؛ قابل للتقييد بقانون.
التعليق على العبارة. العبارة صحيحة جزئيا: فالحريات العامة هي حقوق الإنسان التي اعترف بها القانون الوضعي ونظمها وأحاطها بضمانات قضائية؛ لكنها تختزل حقوق الإنسان في بعدها القانوني الداخلي، في حين أن حقوق الإنسان تظل مرجعية عليا يحتج بها ضد القانون نفسه إذا قصر أو انتهكها، وهي تشمل أيضا حقوقا دائنية (الجيل الثاني والثالث) لا تدخل دائما في المفهوم الكلاسيكي للحريات التي تفرض امتناع الدولة.
Exercice 2 — حرية أم حق دائني؟
- حرية التنقل؛ 2) الحق في التعليم؛ 3) حرمة المسكن؛ 4) الحق في الضمان الاجتماعي؛ 5) حرية الدين.
Voir le corrigé
- حرية (امتناع)؛ 2) حق دائني (أداء)؛ 3) حرية؛ 4) حق دائني؛ 5) حرية.
Exercice 3 — رتب زمنيا
إعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ العهدان الدوليان؛ الماغنا كارتا؛ الإعلان العالمي؛ إعلان فيينا؛ إعلان حقوق فرجينيا.
Voir le corrigé
الماغنا كارتا (1215) ← فرجينيا (1776) ← الإعلان الفرنسي (1789) ← الإعلان العالمي (1948) ← العهدان (1966) ← فيينا (1993).
الخلاصة — المفهوم والخصائص والأسس
- حقوق الإنسان: حقوق لكل إنسان لكونه إنسانا، لحماية الكرامة؛ الحريات العامة: الحقوق التي يعترف بها القانون الوضعي وينظمها ويحميها («العامة» = السلطة العامة تتدخل)؛ الحقوق الأساسية: المكرسة دستوريا.
- الحرية (امتناع الدولة) / الحق الدائني (أداء الدولة).
- الخصائص: الكونية (فيينا 1993)، عدم القابلية للتصرف، عدم التجزئة والترابط، المساواة، النسبية مع نواة صلبة (المادة 4 من العهد: الحياة، التعذيب، الرق، عدم رجعية القانون الجنائي، الفكر والدين).
- الأجيال (فاساك 1977): الأول المدني والسياسي (الحرية)، الثاني الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (المساواة؛ المكسيك 1917، فايمار 1919)، الثالث التضامن (التنمية 1986، السلم، البيئة، تقرير المصير)، رابع رقمي؛ حدود التصنيف.
- الأسس: القانون الطبيعي، العقد الاجتماعي (لوك، روسو)، الأنوار (مونتسكيو، كانط)، النقد الماركسي، الإسلام (التكريم، المقاصد، إعلان القاهرة 1990).
- المحطات: الماغنا كارتا 1215، الهابياس كوربوس 1679، 1689، فرجينيا والاستقلال الأمريكي 1776، 1789، الميثاق 1945، الإعلان العالمي 1948، العهدان 1966.
- الكونية والخصوصية: فيينا 1993 توفق؛ التصدير المغربي: «كما هي متعارف عليها عالميا» مع «الهوية الوطنية الراسخة».