الدولة: العناصر والاعتراف والحصانات والتوارث
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تحليل العناصر المكونة للدولة وفق اتفاقية مونتيفيديو لسنة 1933؛
- شرح مفهوم السيادة ونتائجها: المساواة وعدم التدخل؛
- التمييز بين النظرية المنشئة والنظرية الكاشفة للاعتراف، وبين أشكاله؛
- تقديم حصانات الدولة وممثليها؛
- شرح قواعد التوارث الدولي ومبدأ ثبات الحدود الموروثة؛
- تحديد مضمون حق الشعوب في تقرير مصيرها وحدوده.
5.1 العناصر المكونة للدولة
تنص المادة 1 من اتفاقية مونتيفيديو حول حقوق الدول وواجباتها (1933) على أن الدولة، كشخص من أشخاص القانون الدولي، يجب أن تتوفر فيها: سكان دائمون، إقليم محدد، حكومة، وأهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.
1) الشعب: مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة على الإقليم ويرتبطون بالدولة برابطة الجنسية؛ ولا يشترط عدد معين (دول صغيرة جدا كتوفالو أو موناكو). وتحدد كل دولة شروط جنسيتها بحرية، لكن الاحتجاج بها دوليا يتطلب رابطة فعلية، كما قررت المحكمة في قضية نوتبوم (ليشتنشتاين ضد غواتيمالا، 1955).
2) الإقليم: الحيز الجغرافي الذي تمارس عليه الدولة سيادتها، ويشمل البري والبحري والجوي؛ ولا يشترط أن تكون حدوده نهائية، فالنزاعات الحدودية لا تمنع قيام الدولة (قبول إسرائيل في الأمم المتحدة رغم عدم تحديد حدودها).
3) السلطة السياسية: حكومة فعلية قادرة على فرض النظام داخل الإقليم وتمثيل الدولة خارجيا. والقانون الدولي محايد إزاء شكل الحكم (ملكي، جمهوري، فدرالي، بسيط). أما انهيار الحكومة في دولة قائمة (ما يسمى الدولة الفاشلة) فلا ينهي وجود الدولة.
4) السيادة: وهي الاستقلال في الخارج والسمو في الداخل؛ فالكيان الخاضع لدولة أخرى (ولاية فدرالية، إقليم مستعمر) ليس دولة. وقد عرف المحكم ماكس هوبر السيادة في قضية جزيرة بالماس (1928) بأنها «الاستقلال، والاستقلال بالنسبة لجزء من الكرة الأرضية هو الحق في ممارسة وظائف الدولة عليه باستبعاد أي دولة أخرى».
5.2 نتائج السيادة
- المساواة في السيادة (المادة 2 فقرة 1 من الميثاق): لكل دولة صوت واحد في الجمعية العامة، ولا تخضع دولة لقضاء دولة أخرى؛ مع استثناءات واقعية كـحق الاعتراض للدول الخمس الدائمة العضوية؛
- عدم التدخل في الشؤون الداخلية: المادة 2 فقرة 7 تمنع الأمم المتحدة من التدخل في ما يكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، مع استثناء تدابير القمع طبقا للفصل السابع؛ ويمنع العرف الدول من التدخل القسري في شؤون غيرها (نيكاراغوا 1986)؛
- الاختصاص الإقليمي: للدولة اختصاص كامل وحصري على إقليمها، لكنها تلتزم بعدم استعماله للإضرار بغيرها (قضية مصهر تريل، 1941؛ قضية مضيق كورفو، 1949: لا يجوز لدولة أن تسمح عن علم باستعمال إقليمها لأعمال مخالفة لحقوق دول أخرى)؛
- الاختصاص الشخصي: على رعاياها أينما وجدوا، ومنه الحماية الدبلوماسية.
5.3 الاعتراف بالدولة
الاعتراف تصرف انفرادي تقديري تعلن به دولة أنها تعتبر كيانا ما دولة وتقبل التعامل معه.
الطبيعة القانونية:
- النظرية المنشئة: الاعتراف شرط لوجود الدولة كشخص دولي؛ ويعاب عليها أنها تجعل وجود الدولة نسبيا (دولة بالنسبة لمن اعترف وغير موجودة بالنسبة لغيره)؛
- النظرية الكاشفة (الراجحة): الدولة توجد بمجرد توفر عناصرها، والاعتراف يكشف ذلك فقط؛ وتنص المادة 3 من اتفاقية مونتيفيديو على أن «الوجود السياسي للدولة مستقل عن اعتراف الدول الأخرى».
أشكال الاعتراف:
- صريح (تصريح، مذكرة) أو ضمني (إقامة علاقات دبلوماسية، إبرام معاهدة ثنائية)؛ أما المشاركة في مؤتمر أو معاهدة متعددة الأطراف فلا تعتبر اعترافا؛
- قانوني (نهائي) أو واقعي (مؤقت قابل للسحب)؛
- فردي أو جماعي.
حدود الاعتراف:
- عدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة: يمنع الاعتراف بكيان نشأ عن استعمال غير مشروع للقوة أو خرق قاعدة آمرة (القرار 2625، مذهب ستيمسون 1932)؛
- الاعتراف السابق لأوانه: الاعتراف بكيان انفصالي قبل اكتمال عناصره يعد تدخلا في شؤون الدولة الأصل.
الاعتراف بالحكومة: يطرح عند التغيير غير الدستوري للسلطة؛ ويتبنى عدد من الدول مذهب إسترادا (المكسيك، 1930) الذي يكتفي بالإبقاء على العلاقات أو سحب البعثة دون إعلان اعتراف، تفاديا للتدخل.
5.4 حصانات الدولة وممثليها
حصانة الدولة القضائية: لا يجوز لمحاكم دولة أن تحاكم دولة أخرى ذات سيادة (par in parem non habet imperium). وتطور الأمر من الحصانة المطلقة إلى الحصانة المقيدة:
- أعمال السلطة (السيادية): تتمتع بالحصانة؛
- أعمال الإدارة (التجارية والخاصة): لا تتمتع بها؛
- قننت هذه القواعد في اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية (2004)؛ وأكدت المحكمة في قضية حصانات الدولة (ألمانيا ضد إيطاليا، 2012) أن الحصانة تبقى قائمة حتى بالنسبة لأعمال القوات المسلحة أثناء نزاع مسلح.
- حصانة التنفيذ: أضيق نطاقا للمدعي؛ لا يجوز الحجز على أموال الدولة المخصصة لأغراض عمومية (حسابات السفارات).
حصانات الممثلين:
- الدبلوماسيون (اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961): حرمة شخص المبعوث (المادة 29) وحرمة مقر البعثة (المادة 22) وحصانة قضائية جنائية كاملة؛ ويمكن للدولة المضيفة إعلان المبعوث شخصا غير مرغوب فيه (المادة 9)؛
- القناصل (اتفاقية 1963): حصانة وظيفية أضيق؛
- كبار المسؤولين: يتمتع رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الخارجية بـحصانة جنائية كاملة أثناء مهامهم أمام المحاكم الأجنبية (قضية مذكرة التوقيف، الكونغو ضد بلجيكا، 2002)، دون أن تمنع متابعتهم أمام محكمة جنائية دولية مختصة.
5.5 التوارث الدولي
التوارث هو حلول دولة محل أخرى في المسؤولية عن العلاقات الدولية لإقليم ما. وحالاته: الاستقلال (تصفية الاستعمار)، الانفصال، التفكك (يوغوسلافيا، الاتحاد السوفياتي)، الاتحاد (اليمن 1990)، انتقال جزء من الإقليم.
التوارث في المعاهدات (اتفاقية فيينا 1978):
- الدول حديثة الاستقلال: قاعدة الصفحة البيضاء؛ لا تلزم بمعاهدات الدولة السابقة، ولها أن تعلن خلافتها في المعاهدات المتعددة الأطراف؛
- الاتحاد والانفصال: الأصل استمرار المعاهدات؛
- معاهدات الحدود: لا يمس التوارث الحدود المقررة بمعاهدة (المادة 11).
مبدأ ثبات الحدود الموروثة (uti possidetis juris): تحترم الدول الجديدة الحدود الإدارية الموروثة عن الاستعمار؛ وقد أكدت المحكمة طابعه العام في قضية النزاع الحدودي بين بوركينا فاسو ومالي (1986)؛ وتبنته منظمة الوحدة الإفريقية في قرار القاهرة لسنة 1964. ويرى المغرب أن هذا المبدأ لا يمكن أن يكرس حدودا رسمها الاستعمار على حساب وحدته الترابية التاريخية، ولذلك تحفظ عليه.
التوارث في الأموال والديون (اتفاقية 1983): تنتقل أموال الدولة الموجودة في الإقليم، وتوزع الديون بنسب منصفة.
5.6 حق الشعوب في تقرير مصيرها
المضمون: حق كل شعب في أن يختار بحرية وضعه السياسي ويسعى إلى نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي (المادة 1 المشتركة بين العهدين الدوليين لسنة 1966؛ القرار 1514 لسنة 1960؛ المادتان 1 و55 من الميثاق). وهو التزام تجاه الكافة (قضية تيمور الشرقية، 1995).
صور ممارسته حسب القرار 1541 (1960): الاستقلال، أو الاندماج في دولة مستقلة، أو الارتباط الحر بها.
حدوده: يوازنه مبدأ الوحدة الترابية للدول: «كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الإقليمية لبلد ما تكون متنافية ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة» (الفقرة 6 من القرار 1514). وقد اعتبرت المحكمة في رأيها حول كوسوفو (2010) أن القانون الدولي العام لا يحظر إعلان الاستقلال في ذاته، دون أن تعترف بحق عام في الانفصال.
الموقف المغربي: استند المغرب إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الصحراء الغربية (16 أكتوبر 1975) الذي أقر بوجود روابط قانونية وبيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل المنطقة عند الاستعمار الإسباني، وقدم سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي في إطار سيادته كحل سياسي في إطار مسلسل الأمم المتحدة.
5.7 منهجية: هل الكيان دولة؟
- العناصر: هل يوجد شعب دائم؟ إقليم ولو غير محدد الحدود نهائيا؟ سلطة فعلية؟
- السيادة: هل الكيان مستقل فعلا أم خاضع لدولة أخرى؟
- المشروعية: هل نشأ عن استعمال غير مشروع للقوة أو خرق قاعدة آمرة؟
- تقرير المصير والوحدة الترابية: هل يتعلق الأمر بشعب مستعمر أم بانفصال عن دولة قائمة؟
- الاعتراف: كاشف لا منشئ، لكنه مؤشر على قبول الدول؛ هل هو سابق لأوانه؟
- استنتج وحدد آثار الوضع (القبول في المنظمات، التوارث، الحصانات).
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- اعتبار الاعتراف عنصرا مكونا للدولة: الرأي الراجح أنه كاشف.
- اشتراط حدود نهائية أو عدد معين من السكان.
- الخلط بين الاعتراف بالدولة والاعتراف بالحكومة.
- اعتبار حصانة الدولة مطلقة: الحصانة اليوم مقيدة بأعمال السيادة.
- اعتبار تقرير المصير حقا مطلقا في الانفصال: يوازنه مبدأ الوحدة الترابية.
Exercice 1 — نازلة
أنهت دولة إيتا مهام عاملة منزلية من رعايا دولة ثيتا كانت تعمل في سفارة إيتا بعاصمة ثيتا، فرفعت العاملة دعوى أمام محكمة الشغل بثيتا تطالب بالتعويض، وطلبت الحجز على الحساب البنكي للسفارة. وفي الوقت نفسه، أعلنت جماعة مسلحة في منطقة من إيتا «دولة مستقلة» بعد سيطرتها على مدينتين بدعم عسكري مباشر من دولة مجاورة، واعترفت بها هذه الدولة المجاورة فورا.
- هل تتمتع إيتا بالحصانة القضائية أمام محكمة ثيتا؟
- هل يجوز الحجز على حساب السفارة؟
- هل «الدولة» المعلنة دولة بالمعنى القانوني، وما قيمة اعتراف الدولة المجاورة؟
Voir le corrigé
1. الحصانة القضائية. تأخذ أغلب الدول بنظرية الحصانة المقيدة؛ فعقد شغل عاملة منزلية من رعايا دولة المحكمة لا يمس ممارسة السلطة العمومية لإيتا، ويقترب من أعمال الإدارة؛ واتفاقية 2004 (المادة 11) تستبعد الحصانة في منازعات عقود الشغل المنفذة على إقليم دولة المحكمة، إلا إذا كان الأجير مكلفا بمهام سلطة عمومية أو كانت الدعوى ترمي إلى إرجاعه إلى العمل. فالدعوى بالتعويض مقبولة مبدئيا.
2. الحجز. حتى لو قبلت الدعوى، فإن حصانة التنفيذ مستقلة وأوسع: الحساب البنكي للسفارة مخصص لتسيير البعثة الدبلوماسية أي لأغراض عمومية سيادية، فلا يجوز الحجز عليه دون موافقة إيتا (المادتان 19 و21 من اتفاقية 2004، والمادة 22 من اتفاقية فيينا 1961 حول حرمة البعثة وأموالها). ويمكن للعاملة تنفيذ الحكم على أموال تجارية لإيتا إن وجدت.
3. الكيان المعلن. قد يتوفر شعب وجزء من إقليم وسلطة، لكن الاستقلال الفعلي محل شك لأن الكيان قائم على الدعم العسكري لدولة أجنبية، وهذا استعمال غير مشروع للقوة وتدخل في شؤون إيتا، يوجب على الدول عدم الاعتراف بالوضع الناتج عنه. وزيادة على ذلك، لا يتعلق الأمر بشعب مستعمر، فمبدأ الوحدة الترابية لإيتا يرجح. واعتراف الدولة المجاورة كاشف لا ينشئ دولة، وهو سابق لأوانه ويشكل تدخلا يرتب مسؤوليتها الدولية.
Exercice 2 — أعمال سلطة أم أعمال إدارة؟
حدد هل تتمتع الدولة الأجنبية بالحصانة: 1) نزاع حول صفقة شراء أسلحة لجيشها؛ 2) عقد كراء شقة لإقامة موظف؛ 3) قرار طرد أجنبي من سفارتها؛ 4) قرض تجاري حصلت عليه من بنك خاص.
Voir le corrigé
- حصانة في الغالب (غرض سيادي، وإن كان العقد تجاريا في ظاهره، فبعض القوانين تعتمد الطبيعة لا الغرض)؛ 2) لا حصانة في الغالب (معاملة خاصة)؛ 3) حصانة (عمل سلطة)؛ 4) لا حصانة (معاملة تجارية، المادة 10 من اتفاقية 2004).
Exercice 3 — التوارث
استقلت دولة جديدة عن دولة استعمارية. كانت الدولة الاستعمارية طرفا في: أ) معاهدة رسم الحدود مع دولة مجاورة؛ ب) اتفاقية ثنائية للتعاون العسكري؛ ج) اتفاقية متعددة الأطراف لحقوق الإنسان. ما مصير هذه المعاهدات بالنسبة للدولة الجديدة؟
Voir le corrigé
أ) الحدود لا تتأثر بالتوارث (المادة 11 من اتفاقية 1978، ثبات الحدود الموروثة)؛ ب) الصفحة البيضاء: لا تلزم الدولة الجديدة إلا باتفاق مع الطرف الآخر؛ ج) يمكنها إعلان خلافتها فيها بإشعار، أو الانضمام إليها.
الخلاصة — الدولة
- العناصر (مونتيفيديو 1933): شعب دائم (الجنسية، رابطة فعلية: نوتبوم 1955)، إقليم ولو غير نهائي الحدود، سلطة فعلية، سيادة (جزيرة بالماس 1928).
- نتائج السيادة: المساواة (2§1)، عدم التدخل (2§7، نيكاراغوا)، اختصاص إقليمي مع عدم الإضرار بالغير (كورفو 1949، مصهر تريل 1941)، اختصاص شخصي.
- الاعتراف: تصرف تقديري؛ كاشف (المادة 3 من مونتيفيديو) لا منشئ؛ صريح/ضمني، قانوني/واقعي؛ عدم الاعتراف بالأوضاع الناتجة عن القوة؛ الاعتراف السابق لأوانه تدخل؛ مذهب إسترادا للحكومات.
- الحصانات: الدولة: مقيدة (أعمال السلطة لا أعمال الإدارة، اتفاقية 2004، ألمانيا ضد إيطاليا 2012)؛ التنفيذ أضيق؛ الدبلوماسيون (فيينا 1961: 9، 22، 29)؛ كبار المسؤولين (مذكرة التوقيف 2002).
- التوارث: فيينا 1978 (الصفحة البيضاء للدول حديثة الاستقلال، استمرار في الاتحاد والانفصال، الحدود لا تتأثر) و1983 (الأموال والديون)؛ ثبات الحدود الموروثة (بوركينا فاسو/مالي 1986، القاهرة 1964، تحفظ المغرب).
- تقرير المصير: العهدان (المادة 1)، القرار 1514، الصور (القرار 1541)، توازنه الوحدة الترابية (الفقرة 6)؛ رأي الصحراء الغربية 1975 (روابط البيعة)، مبادرة الحكم الذاتي 2007.