مفهوم القانون الدولي العام وأساسه وعلاقته بالقانون الداخلي
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف القانون الدولي العام وتمييزه عن القانون الدولي الخاص؛
- تتبع المراحل الكبرى لتطوره من صلح وستفاليا إلى ميثاق الأمم المتحدة؛
- شرح خصائص المجتمع الدولي وخصائص القاعدة الدولية؛
- مناقشة أساس إلزامية القانون الدولي بين المذاهب الإرادية والموضوعية؛
- المقارنة بين نظريتي الوحدة والثنائية؛
- تحديد مكانة الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني المغربي وفق دستور 2011.
1.1 تعريف القانون الدولي العام
القانون الدولي العام هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين أشخاص القانون الدولي، أي أساسا الدول والمنظمات الدولية، وتحدد حقوقهم والتزاماتهم واختصاصاتهم. وقد كان يسمى قديما «قانون الشعوب» (jus gentium)، ثم شاع اسم «القانون الدولي» منذ أن استعمله الفقيه الإنجليزي بنتام في أواخر القرن الثامن عشر.
ويجب تمييزه عن:
- القانون الدولي الخاص: الذي ينظم العلاقات بين الأفراد ذات العنصر الأجنبي (تنازع القوانين، تنازع الاختصاص القضائي، الجنسية، مركز الأجانب)، وهو في الغالب قانون داخلي يضعه كل مشرع؛
- العلاقات الدولية: وهي علم يدرس الوقائع والقوى والسياسات بين الدول، بينما القانون الدولي يدرس القواعد الملزمة؛
- المجاملات الدولية: وهي قواعد غير ملزمة تتبعها الدول من باب اللياقة (بعض المراسيم البروتوكولية)، ولا يترتب على مخالفتها مسؤولية دولية.
أشخاص القانون الدولي: الدولة هي الشخص الأصلي الكامل الأهلية؛ والمنظمات الدولية أشخاص مشتقة تستمد شخصيتها من إرادة الدول المؤسسة، وقد أكدت محكمة العدل الدولية ذلك في رأيها الاستشاري حول التعويض عن الأضرار المتكبدة في خدمة الأمم المتحدة (1949)؛ أما الفرد فقد أصبح يتمتع ببعض الحقوق (حقوق الإنسان) ويتحمل بعض الالتزامات (المسؤولية الجنائية الدولية)، دون أن تكون له أهلية كاملة.
1.2 تطور القانون الدولي العام
- العصور القديمة والوسيطة: قواعد متفرقة حول السفراء والمعاهدات والحرب؛ وقد عرف الفقه الإسلامي «السير» (الإمام الشيباني) التي نظمت العلاقات مع غير المسلمين في السلم والحرب، والأمان والعهود؛
- صلح وستفاليا (1648): يعتبر ميلاد القانون الدولي الحديث، إذ كرس الدولة ذات السيادة والمساواة بين الدول ونهاية سلطة البابا والإمبراطور؛ ومن رواده غروسيوس (قانون الحرب والسلم، 1625)؛
- مؤتمر فيينا (1815): تنظيم الحياد والملاحة في الأنهار الدولية وترتيب المبعوثين الدبلوماسيين؛
- مؤتمرات لاهاي (1899 و1907): تقنين قانون الحرب وإنشاء المحكمة الدائمة للتحكيم؛
- عصبة الأمم (1919): أول منظمة دولية عالمية ذات طابع سياسي، والمحكمة الدائمة للعدل الدولي (1922)؛
- ميثاق الأمم المتحدة (1945): منع استعمال القوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية حقوق الإنسان؛ ثم تصفية الاستعمار وانضمام الدول الجديدة، ومنها المغرب الذي انضم إلى الأمم المتحدة في 12 نونبر 1956.
1.3 خصائص المجتمع الدولي والقاعدة الدولية
المجتمع الدولي مجتمع أفقي لا عمودي:
- لا توجد سلطة تشريعية عليا: الدول هي التي تضع القواعد بنفسها (المعاهدات، العرف)، فهي المشرع والمخاطب في الوقت نفسه؛
- لا يوجد قضاء إجباري: اختصاص المحاكم الدولية مبني على رضا الدول؛
- لا توجد سلطة تنفيذية مركزية: التنفيذ يعتمد على حسن النية، والمعاملة بالمثل، والتدابير المضادة، وصلاحيات مجلس الأمن في الفصل السابع من الميثاق.
ولذلك أنكر بعض الفقهاء (أوستن، و«منكرو القانون الدولي») الطابع القانوني لهذه القواعد. ويرد الرأي الغالب بأن الجزاء ليس ركنا في القاعدة القانونية بل وسيلة لضمان احترامها، وبأن الدول تعترف بإلزامية القانون الدولي في دساتيرها وفي سلوكها، وتحاول تبرير تصرفاتها بالاستناد إليه حتى عندما تخرقه.
خصائص القاعدة الدولية: قاعدة عامة ومجردة في الغالب، رضائية المصدر، ولكن بعضها آمر لا يجوز الاتفاق على مخالفته (القواعد الآمرة، المادة 53 من اتفاقية فيينا)، وبعض الالتزامات تقع تجاه الكافة (erga omnes) حسب حكم برشلونة تراكشن (1970)، كمنع العدوان والإبادة الجماعية والرق والتمييز العنصري.
1.4 أساس إلزامية القانون الدولي
المذاهب الإرادية: ترى أن أساس الإلزام هو إرادة الدولة:
- نظرية التحديد الذاتي (جلينيك): الدولة تقيد نفسها بإرادتها؛ ويعاب عليها أن ما تقيده الإرادة تحله الإرادة؛
- نظرية الإرادة المشتركة (تريبل): الإرادة المتحدة للدول هي أساس الإلزام؛ ويعاب عليها أنها لا تفسر التزام دولة جديدة بقواعد لم تشارك في وضعها. وقد عبرت المحكمة الدائمة للعدل الدولي عن هذا الاتجاه في قضية اللوتس (1927): «قواعد القانون الملزمة للدول تنبع من إرادتها الحرة»، وما لم يحظر صراحة فهو مباح.
المذاهب الموضوعية: ترى أن الأساس خارج إرادة الدول:
- المدرسة النمساوية (كلسن): القاعدة الدولية تستمد قوتها من قاعدة أعلى، وصولا إلى القاعدة الأساسية «العقد شريعة المتعاقدين»؛
- المدرسة الاجتماعية (جورج سل): القانون ضرورة اجتماعية يفرضها التضامن بين الشعوب؛
- مذهب القانون الطبيعي: قواعد عليا تمليها العدالة والعقل.
الرأي الراجح: الجمع بين الأمرين؛ فالرضا أساس أغلب القواعد (المعاهدات)، ولكن قيام القواعد الآمرة والالتزامات تجاه الكافة يدل على وجود حد أدنى موضوعي لا يتوقف على إرادة كل دولة.
1.5 العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي: النظريات
نظرية الثنائية (تريبل، أنزيلوتي): القانونان نظامان منفصلان يختلفان في:
- المصادر: الإرادة المشتركة للدول / إرادة الدولة المنفردة؛
- المخاطبين: الدول / الأفراد؛
- الموضوع: العلاقات بين الدول / العلاقات داخل الدولة. ونتيجتها: لا تطبق القاعدة الدولية داخليا إلا بعد تحويلها أو إدماجها بنص داخلي، ولا يتصور تنازع بينهما.
نظرية الوحدة (كلسن): القانون نظام واحد متدرج؛ وتنقسم إلى:
- الوحدة مع سمو القانون الداخلي: يرد عليها بأنها تنكر القانون الدولي نفسه، إذ يصبح «قانونا داخليا خارجيا»؛
- الوحدة مع سمو القانون الدولي: وهي الأقرب إلى الممارسة الدولية.
موقف القانون الدولي نفسه: يسمو على القانون الداخلي في العلاقات الدولية؛ فالمادة 27 من اتفاقية فيينا تنص على أنه «لا يجوز لطرف أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لعدم تنفيذ معاهدة». ولكن القانون الدولي يترك لكل دولة حرية تحديد طريقة إدخال القواعد الدولية في نظامها الداخلي.
1.6 مكانة الاتفاقيات الدولية في النظام المغربي
ديباجة دستور 2011 (وهي جزء لا يتجزأ منه): تلتزم المملكة بـ«جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة».
ويستخلص من ذلك:
- السمو على القانون: الاتفاقية المصادق عليها والمنشورة تعلو على القوانين العادية؛
- الخضوع للدستور: الاتفاقية تبقى دون الدستور («في نطاق أحكام الدستور»)؛
- شرط النشر: بالجريدة الرسمية لكي تكون نافذة داخليا وتحتج بها أمام القاضي؛
- حدود الهوية الوطنية: صيغة تحفظ تفتح نقاشا فقهيا حول مداها.
الفصل 55: الملك يوقع على المعاهدات ويصادق عليها، غير أنه لا يصادق على معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك التي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنين العامة أو الخاصة، إلا بعد الموافقة عليها بقانون. وللملك أن يعرض على البرلمان كل معاهدة أو اتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها. وإذا صرحت المحكمة الدستورية، إثر إحالة من الملك أو رئيس أحد المجلسين أو سدس أعضاء مجلس النواب أو ربع أعضاء مجلس المستشارين، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة عليه لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور.
التطبيق القضائي: يطبق القضاء المغربي الاتفاقيات المنشورة، ومن أمثلة ذلك تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل أو اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية، واستبعاد الإكراه البدني على المدين العاجز عن الوفاء بالاستناد إلى المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
1.7 منهجية: معالجة تنازع بين معاهدة وقانون داخلي
- تحقق من وجود الالتزام: هل وقعت الدولة المعاهدة وصادقت عليها؟ هل دخلت حيز النفاذ دوليا؟
- تحقق من النفاذ الداخلي: هل نشرت المعاهدة في الجريدة الرسمية؟
- حدد مرتبة كل نص: دستور، معاهدة، قانون، مرسوم.
- طبق قاعدة السمو: المعاهدة المنشورة تسمو على القانون ولو كان لاحقا، في حدود الدستور.
- ميز بين المستويين: داخليا يرجح القاضي النص الأسمى؛ ودوليا لا تعفى الدولة من مسؤوليتها بحجة قانونها الداخلي (المادة 27).
- اقترح الحل: ملاءمة التشريع أو التحفظ أو مراجعة الدستور حسب الحالة.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين القانون الدولي العام والقانون الدولي الخاص أو بين القانون الدولي والمجاملات.
- القول إن غياب سلطة مركزية يعني غياب القانون: الجزاء وسيلة لا ركن.
- الاعتقاد أن المعاهدة المصادق عليها تسمو على الدستور في المغرب: إنها تسمو على القوانين فقط.
- نسيان شرط النشر لتطبيق المعاهدة أمام القاضي الداخلي.
- الظن أن الدولة تستطيع التذرع بقانونها الداخلي دوليا: المادة 27 تمنع ذلك.
Exercice 1 — نازلة
صادق المغرب على اتفاقية دولية متعددة الأطراف تمنع حبس الشخص لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، ونشرت الاتفاقية في الجريدة الرسمية. وبعد ذلك، أصدر البرلمان قانونا يسمح بالإكراه البدني على المدين المعسر في بعض الديون التجارية. رفع سعيد، وهو تاجر معسر، دعوى يطلب فيها استبعاد الإكراه البدني في حقه. وفي الوقت نفسه، تلقت الحكومة احتجاجا من دولة طرف في الاتفاقية، فردت بأن «البرلمان سيد في تشريعه».
- ما هي مرتبة الاتفاقية في النظام القانوني المغربي؟
- كيف ينبغي للقاضي أن يفصل في طلب سعيد؟
- هل يصح رد الحكومة على الدولة المحتجة؟
- ما الحل الذي تقترحه لتفادي هذا الوضع مستقبلا؟
Voir le corrigé
1. المرتبة. حسب ديباجة دستور 2011، تسمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة على التشريعات الوطنية، في نطاق أحكام الدستور. فالاتفاقية هنا مصادق عليها ومنشورة، فهي أسمى من القانون وأدنى من الدستور؛ وسموها يشمل القوانين السابقة واللاحقة لأن الدستور لم يميز.
2. موقف القاضي. يتعين على القاضي استبعاد تطبيق القانون في الجزء المخالف للاتفاقية، وتطبيق القاعدة الأسمى، فيرفض الإكراه البدني ضد سعيد لكونه عاجزا عن الوفاء لا ممتنعا؛ ولا يتعلق الأمر بإلغاء القانون، بل بعدم تطبيقه في النازلة. وهذا ما سار عليه الاجتهاد القضائي المغربي بالاستناد إلى المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
3. رد الحكومة. غير صحيح على المستوى الدولي؛ فالمادة 27 من اتفاقية فيينا تمنع الدولة من الاحتجاج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ معاهدة، والمادة 26 تفرض تنفيذ المعاهدات بحسن نية. وسيادة البرلمان داخليا لا تعفي الدولة من مسؤوليتها الدولية، لأن تصرفات السلطة التشريعية تنسب إلى الدولة كما تنسب إليها تصرفات الحكومة.
4. الحل. على الحكومة والبرلمان ملاءمة التشريع مع الاتفاقية، كما تقتضي الديباجة («العمل على ملاءمة هذه التشريعات»)، بتعديل القانون لحصر الإكراه البدني في حالة الامتناع عن الأداء. ولو أرادت الدولة الإبقاء على هذا النظام لكان عليها أن تبدي تحفظا عند المصادقة إذا كانت الاتفاقية تسمح به.
Exercice 2 — دولي عام أم دولي خاص أم مجاملة؟
صنف: 1) نزاع حول حضانة طفل من أب مغربي وأم فرنسية؛ 2) اتفاق بين المغرب وإسبانيا حول الصيد؛ 3) إطلاق 21 طلقة مدفعية لاستقبال رئيس دولة؛ 4) شروط اكتساب الجنسية المغربية؛ 5) نزاع حدودي بين دولتين.
Voir le corrigé
- دولي خاص (علاقة بين أفراد بعنصر أجنبي)؛ 2) دولي عام (معاهدة بين دولتين)؛ 3) مجاملة دولية غير ملزمة؛ 4) قانون داخلي، يدرس عادة في القانون الدولي الخاص، مع حد دولي هو اشتراط الرابطة الفعلية للاحتجاج بها (نوتبوم)؛ 5) دولي عام.
Exercice 3 — أي إجراء دستوري؟
حدد الإجراء قبل المصادقة: أ) اتفاقية تعاون ثقافي لا تكلف المالية العامة؛ ب) اتفاق تجاري للتبادل الحر؛ ج) اتفاقية قرض من دولة أجنبية؛ د) اتفاقية تتضمن بندا تصرح المحكمة الدستورية بمخالفته للدستور.
Voir le corrigé
أ) يصادق عليها الملك مباشرة، وله أن يعرضها على البرلمان؛ ب) موافقة بقانون (معاهدات التجارة)؛ ج) موافقة بقانون (تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة)؛ د) لا تقع المصادقة إلا بعد مراجعة الدستور (الفصل 55).
الخلاصة — مفهوم القانون الدولي العام وأساسه
- التعريف: قواعد تنظم العلاقات بين أشخاص القانون الدولي (الدول أصلا، المنظمات بشكل مشتق، الفرد جزئيا)؛ يتميز عن القانون الدولي الخاص وعن المجاملات.
- التطور: السير في الفقه الإسلامي، وستفاليا 1648، فيينا 1815، لاهاي 1899 و1907، عصبة الأمم 1919، ميثاق 1945؛ المغرب عضو في الأمم المتحدة منذ 12 نونبر 1956.
- المجتمع الدولي أفقي: لا مشرع ولا قاضي إجباري ولا منفذ مركزي؛ الجزاء وسيلة لا ركن.
- القواعد الآمرة (المادة 53) والالتزامات تجاه الكافة (برشلونة تراكشن 1970).
- أساس الإلزام: المذاهب الإرادية (جلينيك، تريبل، اللوتس 1927) والمذاهب الموضوعية (كلسن، سل، القانون الطبيعي)؛ الراجح الجمع بينهما.
- الثنائية (نظامان منفصلان، التحويل) والوحدة (مع سمو الدولي أو الداخلي)؛ دوليا: المادة 27 تمنع الاحتجاج بالقانون الداخلي.
- المغرب: الديباجة: الاتفاقيات المصادق عليها والمنشورة تسمو على التشريعات في نطاق الدستور؛ الفصل 55: الملك يصادق، والموافقة بقانون على معاهدات السلم والاتحاد والحدود والتجارة والمالية والتدابير التشريعية والحقوق؛ مراجعة الدستور إذا صرحت المحكمة الدستورية بالتعارض.