آثار المعاهدات وتفسيرها وبطلانها وانقضاؤها
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- شرح قاعدة «العقد شريعة المتعاقدين» ومبدأ عدم الرجعية والنطاق الإقليمي؛
- تحديد آثار المعاهدة على الدول الغير واستثناءاتها؛
- تطبيق قواعد التفسير الواردة في المواد 31 إلى 33 من اتفاقية فيينا؛
- التمييز بين أسباب البطلان النسبي والمطلق؛
- تحليل أسباب انقضاء المعاهدات وإيقافها، ومنها الإخلال الجوهري وتغير الظروف؛
- حل التنازع بين معاهدتين متتاليتين.
3.1 آثار المعاهدة بين أطرافها
قاعدة العقد شريعة المتعاقدين (pacta sunt servanda): «كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية» (المادة 26). وهي أساس القانون الدولي الاتفاقي، ويكملها منع الاحتجاج بالقانون الداخلي (المادة 27).
عدم الرجعية (المادة 28): لا تلزم المعاهدة طرفا بشأن تصرف أو واقعة حدثت، أو وضع انتهى، قبل دخولها حيز النفاذ بالنسبة له، ما لم يظهر قصد مخالف.
النطاق الإقليمي (المادة 29): تلزم المعاهدة كل طرف في مجموع إقليمه، ما لم يظهر قصد مخالف (كاستثناء بعض الأقاليم البعيدة لدى بعض الدول).
تنفيذ المعاهدة داخليا: تلتزم الدولة بنتيجة، وتختار الوسيلة: نشر، تشريع، إجراءات تنظيمية. وبعض أحكام المعاهدات ذاتية التنفيذ تطبق مباشرة أمام القاضي، وأخرى تحتاج إلى نص داخلي لأنها موجهة إلى الدولة فقط.
3.2 آثار المعاهدة على الغير
المبدأ: «لا تنشئ المعاهدة التزامات أو حقوقا لدولة ثالثة دون رضاها» (المادة 34)، تطبيقا لنسبية آثار العقود ولمبدأ المساواة في السيادة.
الاستثناءات والتلطيفات:
- الالتزام للغير: ينشأ إذا قبلته الدولة الثالثة صراحة وكتابة (المادة 35)؛
- الحق للغير: ينشأ إذا قصده الأطراف ووافقت عليه الدولة الثالثة، ويفترض رضاها ما لم تعلن خلاف ذلك (المادة 36)؛ مثاله حرية الملاحة في بعض القنوات الدولية كقناة السويس (اتفاقية القسطنطينية 1888)؛
- القاعدة العرفية: قد تلزم الدولة الثالثة قاعدة واردة في معاهدة لأنها أصبحت عرفا دوليا لا لأنها في المعاهدة (المادة 38)؛
- ميثاق الأمم المتحدة: تنص المادة 2 فقرة 6 على أن الهيئة تعمل على أن تسير الدول غير الأعضاء على مبادئها بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدوليين؛
- المعاهدات المنشئة لأوضاع موضوعية: كمعاهدات الحدود أو نزع السلاح في إقليم معين، التي تحتج بها على الكافة عمليا.
3.3 تفسير المعاهدات
القاعدة العامة (المادة 31): تفسر المعاهدة بحسن نية ووفقا لـالمعنى العادي لألفاظها في سياقها وفي ضوء موضوعها والغرض منها. ويشمل السياق: النص والديباجة والملاحق، وكل اتفاق أو وثيقة مرتبطة بالمعاهدة. ويؤخذ في الاعتبار مع السياق:
- كل اتفاق لاحق بين الأطراف بشأن التفسير؛
- كل ممارسة لاحقة تثبت اتفاقهم على التفسير؛
- كل قاعدة من قواعد القانون الدولي واجبة التطبيق بين الأطراف.
الوسائل التكميلية (المادة 32): يلجأ إلى الأعمال التحضيرية وظروف الإبرام لـتأكيد المعنى، أو لتحديده إذا كان التفسير وفق المادة 31 يترك المعنى غامضا أو يؤدي إلى نتيجة غير معقولة.
تعدد اللغات (المادة 33): يكون للنص الحجية نفسها في كل لغة معتمدة، ويفترض أن للألفاظ المعنى نفسه؛ وعند الاختلاف يعتمد المعنى الذي يوفق بين النصوص على أفضل وجه مع مراعاة موضوع المعاهدة وغرضها.
الجهات المفسرة: الأطراف أنفسهم (التفسير الرسمي)، أو قاض أو محكم دولي، أو أجهزة المنظمة بالنسبة لمواثيقها؛ وقد استعملت محكمة العدل الدولية مبدأ الأثر المفيد الذي يرجح التفسير الذي يعطي للنص فعالية.
3.4 بطلان المعاهدات
تحدد الاتفاقية أسباب البطلان على سبيل الحصر (المادة 42) لحماية استقرار العلاقات الاتفاقية.
أسباب البطلان النسبي (لا يحتج بها إلا الدولة المتضررة، ويمكن أن تسقط بالقبول اللاحق):
- مخالفة القانون الداخلي في الاختصاص بالإبرام (المادة 46): لا يحتج بها إلا إذا كانت المخالفة واضحة وتتعلق بقاعدة ذات أهمية جوهرية؛ وتكون واضحة إذا كانت جلية لأي دولة تتصرف بحسن نية؛
- تجاوز الممثل لقيد خاص على سلطته لم يبلغ إلى الأطراف (المادة 47)؛
- الغلط في واقعة أو حالة كانت أساسا جوهريا للرضا (المادة 48)، ما لم تساهم الدولة نفسها فيه؛ ومثاله الأخطاء في الخرائط، وقد رفضته المحكمة في قضية معبد برياه فيهير (1962) لأن تايلاند كانت تستطيع التحقق؛
- التدليس (المادة 49)؛
- إفساد ممثل الدولة أي رشوته (المادة 50).
أسباب البطلان المطلق (تجعل المعاهدة باطلة بقوة القانون):
- إكراه ممثل الدولة بأعمال أو تهديدات موجهة ضده (المادة 51)؛
- إكراه الدولة بالتهديد أو باستعمال القوة خلافا لمبادئ الميثاق (المادة 52)؛
- مخالفة قاعدة آمرة (المادة 53): «تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت إبرامها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي»، أي قاعدة مقبولة ومعترف بها من المجتمع الدولي للدول في مجموعه لا يجوز الإخلال بها ولا تعديلها إلا بقاعدة لاحقة لها الصفة نفسها. ومن أمثلتها: منع العدوان، الإبادة الجماعية، الرق، التعذيب، حق الشعوب في تقرير مصيرها.
3.5 انقضاء المعاهدات وإيقاف العمل بها
بإرادة الأطراف:
- وفق أحكام المعاهدة نفسها: انتهاء المدة، تحقق شرط فاسخ، أو بالاتفاق اللاحق (المادة 54)؛
- الانسحاب أو النقض: إذا نصت المعاهدة عليه؛ فإن سكتت لم يجز إلا إذا ثبت أن الأطراف قصدوا إمكانه أو كان مستفادا من طبيعتها، مع إشعار مسبق بـ12 شهرا على الأقل (المادة 56)؛
- إبرام معاهدة لاحقة في الموضوع نفسه (المادة 59).
بأسباب خارجة عن إرادة طرف:
- الإخلال الجوهري (المادة 60): يخول الطرف الآخر في المعاهدة الثنائية إنهاءها أو إيقافها كليا أو جزئيا؛ والإخلال الجوهري هو رفض غير مشروع للمعاهدة أو مخالفة حكم أساسي لتحقيق موضوعها؛ ولا ينطبق على أحكام حماية الإنسان في المعاهدات الإنسانية؛
- استحالة التنفيذ اللاحقة (المادة 61): بسبب هلاك أو اختفاء شيء لا غنى عنه للتنفيذ (جزيرة غمرتها المياه، سد انهار)؛
- التغير الجوهري في الظروف (المادة 62، rebus sic stantibus): لا يحتج به إلا إذا كانت الظروف المتغيرة أساسا جوهريا لرضا الأطراف، وكان التغير غير متوقع، وكان من شأنه أن يغير جذريا مدى الالتزامات الواجب تنفيذها؛ ولا يحتج به أبدا في معاهدات الحدود؛ وقد رفضته المحكمة في قضية غابتشيكوفو-ناجيماروس (1997) بين المجر وسلوفاكيا لأن التغيرات السياسية والاقتصادية لم تكن كافية؛
- ظهور قاعدة آمرة جديدة (المادة 64): كل معاهدة تتعارض معها تصبح باطلة وتنقضي؛
- قطع العلاقات الدبلوماسية لا يؤثر في المعاهدة إلا إذا كان وجود هذه العلاقات ضروريا لتطبيقها (المادة 63).
الإجراء (المواد 65 إلى 68): على الدولة التي تحتج بسبب للبطلان أو الانقضاء أن تخطر الأطراف الأخرى كتابة، وتنتظر ثلاثة أشهر على الأقل؛ وفي حالة الاعتراض يلجأ إلى وسائل التسوية السلمية، مع اختصاص محكمة العدل الدولية في النزاعات حول القواعد الآمرة.
3.6 التنازع بين المعاهدات
- ميثاق الأمم المتحدة يسمو: «إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق» (المادة 103)؛
- المعاهدة اللاحقة بين الأطراف أنفسهم تلغي السابقة في ما تعارضتا فيه (المادة 30)؛
- إذا لم يكن الأطراف أنفسهم: تحكم العلاقة بين دولتين المعاهدة التي كلاهما طرف فيها؛
- قاعدة الخاص يقيد العام: تستعمل للتوفيق.
3.7 منهجية: معالجة نازلة حول تحلل دولة من معاهدة
- تحقق من نفاذ المعاهدة وصفة الأطراف.
- حدد السبب المحتج به: بطلان (عيب وقت الإبرام) أم انقضاء (واقعة لاحقة)؟
- طبق الشروط الدقيقة للمادة المعنية (46، 48، 52، 53، 60، 61، 62).
- ميز النسبي عن المطلق: من يحق له الاحتجاج؟ وهل سقط الحق بالقبول اللاحق (المادة 45)؟
- تحقق من الإجراء: إخطار، مهلة، تسوية سلمية.
- استنتج: المعاهدة قائمة، أو موقوفة، أو منقضية، أو باطلة؛ ورتب المسؤولية في حالة التحلل غير المشروع.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين البطلان (عيب عند الإبرام) والانقضاء (سبب لاحق).
- الاعتقاد أن أي تغير في الظروف يسمح بالتحلل: الشروط صارمة، وتستثنى معاهدات الحدود.
- اعتبار أي مخالفة لقانون داخلي سببا للبطلان: يلزم أن تكون واضحة وتتعلق بقاعدة جوهرية.
- الظن أن الإخلال الجوهري ينهي المعاهدة تلقائيا: إنه يخول الطرف الآخر حق إنهائها أو إيقافها.
- تفسير المعاهدة بالأعمال التحضيرية أولا: هي وسيلة تكميلية.
Exercice 1 — نازلة
أبرمت دولتا غاما ودلتا سنة 2010 معاهدة يلتزم فيها كل طرف بتزويد الآخر بكمية من الماء من نهر مشترك عبر قناة مشتركة، دون تحديد مدة أو بند للانسحاب. سنة 2024:
- أعلنت غاما أن الجفاف الناتج عن تغير المناخ يبرر تحللها من المعاهدة بسبب «تغير الظروف»؛
- ثم تبين أن دلتا لم تقدم حصتها من تمويل صيانة القناة منذ خمس سنوات، رغم أن المعاهدة تجعل الصيانة المشتركة شرطا أساسيا لاستمرار التزويد؛
- واكتشفت غاما أن رئيس وفدها المفاوض سنة 2010 كان قد تلقى مبالغ مالية من دلتا.
قيم كل حجة يمكن أن تستند إليها غاما، والإجراء الذي يجب أن تتبعه.
Voir le corrigé
أ) تغير الظروف (المادة 62). يجب أن تكون الظروف (توفر الماء) أساسا جوهريا للرضا، وأن يكون التغير غير متوقع ويغير جذريا مدى الالتزامات. الجفاف قد يكون أساسيا، لكن تقلب الموارد المائية كان متوقعا نسبيا عند الإبرام، والمحكمة تفسر هذه الحالة تفسيرا ضيقا (غابتشيكوفو 1997). فالحجة ضعيفة، ويمكن لغاما على الأكثر طلب إعادة التفاوض أو الإيقاف الجزئي.
ب) الإخلال الجوهري (المادة 60). امتناع دلتا عن تمويل الصيانة يمس حكما تجعله المعاهدة شرطا أساسيا لتحقيق موضوعها، فهو إخلال جوهري يخول غاما، في معاهدة ثنائية، إنهاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها كليا أو جزئيا. وهذه أقوى الحجج، ولا تتعلق المعاهدة بحماية الإنسان حتى تستثنى.
ج) الإفساد (المادة 50). رشوة ممثل الدولة من طرف الدولة الأخرى سبب بطلان نسبي تحتج به غاما وحدها؛ لكنه يسقط إذا كانت غاما قد قبلت المعاهدة صراحة أو بسلوكها بعد علمها بالواقعة (المادة 45). ولأن غاما لم تعلم إلا سنة 2024، فالحجة قائمة، بشرط إثبات الرشوة.
د) الإجراء. لا يجوز التحلل بإرادة منفردة فورية: يجب إخطار دلتا كتابة بالسبب والتدبير المقترح (المادة 65)، وانتظار ثلاثة أشهر؛ فإن اعترضت دلتا، وجب اللجوء إلى وسائل التسوية السلمية (المادة 33 من الميثاق). وإن تحللت غاما دون أساس، تحملت المسؤولية الدولية.
Exercice 2 — بطلان أم انقضاء؟
صنف السبب: 1) معاهدة أبرمت تحت تهديد بقصف العاصمة؛ 2) جفاف نهر كان موضوع معاهدة ملاحة؛ 3) معاهدة تنظم تجارة الرقيق؛ 4) امتناع الطرف الآخر عن تنفيذ الحكم الأساسي؛ 5) خطأ في خريطة ملحقة كان بإمكان الدولة التحقق منه.
Voir le corrigé
- بطلان مطلق (إكراه الدولة، 52)؛ 2) انقضاء باستحالة التنفيذ (61)؛ 3) بطلان مطلق (قاعدة آمرة، 53)؛ 4) سبب للإنهاء أو الإيقاف (إخلال جوهري، 60)؛ 5) لا بطلان: الغلط لا يقبل إذا ساهمت فيه الدولة أو كان بإمكانها التنبه إليه (48).
Exercice 3 — تفسير
تنص معاهدة ثنائية محررة بالعربية والفرنسية، وللنصين الحجية نفسها، على «حرية مرور السفن التجارية». تريد إحدى الدولتين منع مرور ناقلات النفط بحجة أن النص الفرنسي يقول «navires de commerce» وأن الناقلات ليست كذلك. كيف تفسر؟
Voir le corrigé
يبدأ بـالمعنى العادي في السياق وفي ضوء الموضوع والغرض (31): ناقلات النفط تنقل سلعا للتجارة، فهي سفن تجارية في المعنى العادي للنصين. وتفترض المادة 33 أن للألفاظ المعنى نفسه في اللغتين؛ ولا تعارض حقيقيا. ويمكن تأكيد ذلك بالأعمال التحضيرية (32) وبـالممارسة اللاحقة إن كانت الناقلات تمر دون اعتراض. فالمنع غير مشروع.
الخلاصة — آثار المعاهدات وبطلانها وانقضاؤها
- المادة 26: العقد شريعة المتعاقدين وحسن النية؛ 28 عدم الرجعية؛ 29 مجموع الإقليم.
- الغير (المادة 34): لا التزام ولا حق دون رضا؛ الالتزام بقبول كتابي صريح (35)، الحق برضا مفترض (36)؛ القاعدة قد تلزم كعرف (38).
- التفسير: المادة 31 (حسن النية، المعنى العادي، السياق، الموضوع والغرض، الاتفاق والممارسة اللاحقان)؛ 32 الأعمال التحضيرية تكميلية؛ 33 تعدد اللغات.
- البطلان النسبي: مخالفة القانون الداخلي الواضحة والجوهرية (46)، الغلط (48، برياه فيهير 1962)، التدليس (49)، الإفساد (50)؛ يسقط بالقبول اللاحق (45).
- البطلان المطلق: إكراه الممثل (51)، إكراه الدولة (52)، مخالفة قاعدة آمرة (53).
- الانقضاء: أحكام المعاهدة، الاتفاق، الانسحاب (إشعار 12 شهرا، 56)، الإخلال الجوهري (60)، الاستحالة (61)، تغير الظروف بشروط صارمة ولا يطبق على الحدود (62، غابتشيكوفو 1997)، قاعدة آمرة جديدة (64).
- الإجراء: إخطار كتابي ومهلة 3 أشهر ثم التسوية السلمية (65).
- التنازع: الميثاق يسمو (103)، اللاحق ينسخ السابق بين الأطراف أنفسهم (30).