دعوى الإلغاء: المفهوم وشروط القبول
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة وتحديد خصائصها؛
- تحديد القرارات القابلة للطعن والأعمال المستبعدة؛
- تطبيق شرطي الصفة والمصلحة؛
- حساب أجل الطعن ومعرفة أثر التظلم والسكوت؛
- شرح استثناء الدعوى الموازية؛
- فحص قبول دعوى إلغاء في نازلة عملية.
3.1 مفهوم دعوى الإلغاء وخصائصها
دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة هي الدعوى التي يطلب فيها من القاضي الإداري إعدام قرار إداري غير مشروع. وهي أهم ضمانة لمبدأ المشروعية، ويكرسها الفصل 118 من الدستور.
خصائصها:
- دعوى موضوعية: لا تهدف إلى حماية حق شخصي، بل إلى مخاصمة القرار ذاته في مشروعيته؛ ويقال إنها «دعوى ضد قرار» لا ضد شخص؛
- دعوى قانون عام: توجد ضد كل قرار إداري ولو بدون نص، كما قرر مجلس الدولة الفرنسي في قرار دام لاموت (1950)، وكما يكرس الفصل 118 بالمغرب؛
- من النظام العام: لا يجوز للإدارة أن تشترط على الأفراد التنازل المسبق عن الطعن؛
- سلطات محدودة للقاضي: يقتصر على الإلغاء أو الرفض، ولا يحل محل الإدارة في إصدار قرار جديد، ولا يحكم بتعويض في الدعوى نفسها؛
- أثر مطلق لحكم الإلغاء تجاه الكافة؛
- سهولة الولوج: الإعفاء من الرسوم.
3.2 القرار القابل للطعن
يشترط أن يتعلق الطعن بقرار إداري، أي عمل قانوني انفرادي صادر عن سلطة إدارية وطنية، تنفيذي، ومؤثر في المركز القانوني للطاعن (ماس بمصلحته، فيه «إلحاق ضرر»).
الشروط التفصيلية:
- عمل قانوني: لا عمل مادي (حادث، أشغال)؛ فالأعمال المادية تثير المسؤولية لا الإلغاء، ما لم تكن تنفيذا لقرار ضمني؛
- انفرادي: لا عقد؛ لكن القرارات المنفصلة عن العقد (قرار الإعلان عن الصفقة، قرار الإسناد أو الإقصاء) تقبل الإلغاء؛
- صادر عن سلطة إدارية: لا عن البرلمان (القوانين)، ولا عن القضاء (الأحكام)، ولا عن أشخاص القانون الخاص إلا إذا كلفوا بتسيير مرفق عام ومنحوا امتيازات السلطة؛
- تنفيذي ونهائي: لا الأعمال التحضيرية (الآراء، الاقتراحات، المراسلات التمهيدية)، ولا المناشير والدوريات التفسيرية، إلا إذا أضافت قاعدة جديدة آمرة؛ ولا الإجراءات الداخلية البسيطة (توزيع العمل بين الموظفين) التي لا تمس المركز القانوني؛
- مؤثر: يحدث أثرا قانونيا بالإنشاء أو التعديل أو الإلغاء.
القرار الضمني: سكوت الإدارة مدة ستين يوما عن طلب قدم إليها يعتبر رفضا ضمنيا قابلا للطعن (المادة 23).
الأعمال المستبعدة: أعمال السيادة (العلاقات الدولية، العلاقات بين السلطات الدستورية)، والقرارات الملكية حسب اجتهاد الروندة (1970) القائل إن الملك لا يعتبر سلطة إدارية، وهو اجتهاد يناقش اليوم في ضوء الفصل 118.
3.3 الصفة والمصلحة
الصفة: أن يكون للطاعن أهلية التقاضي، وأن يرفع الدعوى بنفسه أو بواسطة ممثله القانوني (ولي القاصر، الممثل القانوني للشخص المعنوي)؛ وفي الدعوى الإدارية، تختلط الصفة غالبا بالمصلحة.
المصلحة: يكفي في دعوى الإلغاء أن تكون للطاعن مصلحة شخصية ومباشرة، مادية أو معنوية، محققة أو محتملة، تتأثر بالقرار؛ ولا يشترط أن يكون له حق مكتسب، تبعا للطابع الموضوعي للدعوى. ويتوسع الاجتهاد في قبولها:
- المخاطب بالقرار مباشرة (الموظف المعزول، صاحب الطلب المرفوض)؛
- الغير المتأثر بالقرار: الجار في الطعن في رخصة بناء، المرشح في الطعن في تعيين منافسه، المنافس في الطعن في ترخيص تجاري؛
- دافع الضرائب المحلية في الطعن في قرار مالي للجماعة؛
- الجمعيات والنقابات: تقبل دعواها للدفاع عن المصالح الجماعية لأعضائها في حدود غرضها الوارد في قانونها الأساسي، لا للدفاع عن مصلحة فردية لعضو. ويقدر وجود المصلحة يوم رفع الدعوى؛ وإذا زالت أثناء سيرها (سحب القرار، تحقق المطلوب)، قضي بـعدم الحاجة إلى البت.
3.4 أجل الطعن
المبدأ (المادة 23): يجب أن تقدم طلبات الإلغاء الموجهة ضد القرارات الإدارية داخل أجل ستين يوما يبتدئ من:
- نشر القرار، بالنسبة للقرارات التنظيمية (في الجريدة الرسمية أو بالتعليق)؛
- تبليغه إلى المعني بالأمر، بالنسبة للقرارات الفردية. ويحل محل التبليغ العلم اليقيني بالقرار، حسب الاجتهاد، إذا ثبت علم الطاعن بمضمونه الكامل (الإشارة إليه في رسالة منه، الطعن فيه بطريق آخر…).
التظلم الإداري: يجوز للمعني بالأمر، داخل الأجل نفسه، أن يقدم تظلما استعطافيا إلى مصدر القرار أو تظلما رئاسيا إلى رئيسه؛ وفي هذه الحالة يبتدئ أجل ستين يوما جديد للطعن القضائي من تاريخ تبليغ قرار رفض التظلم الصريح، أو من انتهاء أجل ستين يوما على تقديمه دون جواب (الرفض الضمني). والتظلم اختياري في الأصل، إجباري في بعض النصوص الخاصة (الضرائب مثلا).
السكوت: إذا التزمت الإدارة الصمت مدة ستين يوما على طلب، اعتبر سكوتها رفضا، فيبدأ من نهاية هذه المدة أجل الطعن؛ لكن الاجتهاد يقبل الطعن ما دام لم يبلغ المعني رفض صريح في بعض الحالات، تقديرا لحسن نيته.
حساب الأجل: لا يحسب يوم التبليغ ولا اليوم الأخير إذا كان عطلة، وفق قواعد قانون المسطرة المدنية؛ ويمدد الأجل إلى أول يوم عمل.
القرارات المنعدمة: القرار المشوب بعيب جسيم جدا (اغتصاب السلطة، اعتداء مادي) يعتبر منعدما، ولا يتحصن بمرور الأجل، فيجوز الطعن فيه في أي وقت.
3.5 الدفع بالدعوى الموازية
النص (المادة 23، الفقرة الأخيرة): «لا يقبل الطلب الهادف إلى إلغاء قرارات إدارية إذا كان في وسع المعنيين بالأمر أن يطالبوا بما يدعونه من حقوق بطريق الطعن العادي أمام القضاء الشامل».
المعنى: إذا كان القانون يمنح المتضرر دعوى أخرى (قضاء شامل) تحقق له النتيجة نفسها التي يحققها الإلغاء، وجب سلوكها وتعذر الإلغاء. وأهم تطبيقاته:
- المنازعات الضريبية: الطعن في الضريبة يكون بدعوى القضاء الشامل وفق المدونة العامة للضرائب، لا بدعوى الإلغاء؛
- المعاشات: دعوى شاملة لمراجعة المعاش؛
- العقود الإدارية: الأطراف يلجؤون إلى قاضي العقد (إلا في القرارات المنفصلة).
تلطيف الاجتهاد: يشترط أن تحقق الدعوى الموازية نفس النتائج وتمنح نفس الضمانات؛ وإلا قبل الطعن بالإلغاء. ويتجه الاجتهاد إلى تضييق هذا الدفع لأنه يعقد الولوج إلى القضاء.
3.6 منهجية: فحص قبول دعوى إلغاء
- القرار: هل هو قرار إداري نهائي مؤثر؟ صريح أم ضمني (سكوت 60 يوما)؟ هل يستثنى (عمل سيادة، قرار ملكي، عمل تحضيري، منشور تفسيري)؟
- الصفة والمصلحة: هل الطاعن مخاطب بالقرار أو متأثر به؟ وإن كان جمعية، هل يدخل الطعن في غرضها؟
- الأجل: تاريخ النشر أو التبليغ أو العلم اليقيني؛ هل قدم تظلم داخل الأجل؟ احسب الستين يوما.
- الدعوى الموازية: هل يمنح القانون دعوى شاملة تحقق النتيجة نفسها؟
- الشكل: محام، مقال، المحكمة المختصة (المحكمة الإدارية أو محكمة النقض).
- استنتج: مقبول، أو غير مقبول مع ذكر السبب.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- اشتراط حق مكتسب للطاعن: تكفي المصلحة الشخصية المباشرة.
- الطعن بالإلغاء في عمل مادي أو في عقد: الطريق هو القضاء الشامل (إلا القرارات المنفصلة).
- حساب الأجل من تاريخ صدور القرار الفردي بدل تبليغه.
- نسيان أن التظلم يجب أن يقدم داخل أجل الستين يوما ليقطعه.
- الطعن بالإلغاء في الضريبة رغم وجود الدعوى الموازية.
Exercice 1 — نازلة
- جمعية آباء التلاميذ لمدرسة عمومية تطعن في قرار المدير الإقليمي بإغلاق المدرسة، وفي قرار آخر بتنقيل أستاذ عضو في الجمعية لأسباب تأديبية.
- سعاد قدمت طلبا للحصول على رخصة لفتح صيدلية بتاريخ 2 يناير، ولم تجبها الإدارة؛ فرفعت دعوى الإلغاء بتاريخ 15 ماي.
- عبد الله بلغ بقرار رفض ترقيته بتاريخ 1 مارس، وقدم تظلما إلى الوزير بتاريخ 20 أبريل، فرفض الوزير التظلم بقرار بلغ إليه بتاريخ 10 ماي؛ فرفع دعواه بتاريخ 1 يوليوز.
- شركة تطعن بالإلغاء في قرار فرض ضريبة عليها.
افحص قبول كل دعوى.
Voir le corrigé
1. الجمعية. قرار إغلاق المدرسة يمس المصالح الجماعية لأعضاء الجمعية (أطفالهم المتمدرسون)، ويدخل في غرضها: فلها مصلحة في الطعن، والدعوى مقبولة. أما قرار تنقيل الأستاذ، فيمس مصلحة فردية لعضو، لا يدخل الدفاع عنها في غرض جمعية الآباء؛ فالدعوى غير مقبولة من الجمعية، وللأستاذ أن يطعن بنفسه.
2. سعاد. مضت ستون يوما على الطلب في 3 مارس تقريبا، فأصبح السكوت رفضا ضمنيا؛ ويبدأ أجل الطعن (60 يوما) من هذا التاريخ، فينتهي في أوائل ماي. فدعواها المرفوعة يوم 15 ماي خارج الأجل مبدئيا، فتكون غير مقبولة، ما لم تثبت أنها قدمت تظلما أو أن الاجتهاد يعتد بعدم تبليغها برفض صريح.
3. عبد الله. بلغ يوم 1 مارس، فينتهي الأجل في 30 أبريل؛ والتظلم قدم يوم 20 أبريل، أي داخل الأجل، فهو يقطعه. ويبدأ أجل جديد من 10 ماي (تبليغ الرفض الصريح)، فينتهي في 9 يوليوز. فالدعوى المرفوعة يوم 1 يوليوز مقبولة من حيث الأجل.
4. الشركة. النزاع ضريبي، والقانون يمنح الملزم دعوى القضاء الشامل وفق المدونة العامة للضرائب، بعد المسطرة الإدارية (التظلم أو اللجان)، وهي تحقق النتيجة نفسها (إلغاء أو تخفيض الضريبة)؛ فيدفع بالدعوى الموازية (المادة 23)، وتكون دعوى الإلغاء غير مقبولة.
Exercice 2 — قرار قابل للطعن؟
- رأي استشاري للجنة قبل قرار التعيين؛ 2) منشور وزاري يضيف شرطا جديدا لم يرد في المرسوم؛ 3) حفر الجماعة لقناة في أرض خاصة؛ 4) قرار إقصاء متنافس من صفقة عمومية.
Voir le corrigé
- لا (عمل تحضيري)؛ 2) نعم (منشور تنظيمي يضيف قاعدة آمرة)؛ 3) لا (عمل مادي: المسؤولية أو الاعتداء المادي)؛ 4) نعم (قرار منفصل عن العقد).
Exercice 3 — احسب الأجل
نشر قرار تنظيمي في الجريدة الرسمية يوم 1 أكتوبر. قدمت جمعية تظلما يوم 20 نونبر، ولم تجب الإدارة. إلى أي تاريخ يمكنها رفع الدعوى؟
Voir le corrigé
الأجل الأول ينتهي حوالي 30 نونبر؛ والتظلم المقدم يوم 20 نونبر داخله، فيقطعه. يعتبر السكوت رفضا ضمنيا بعد 60 يوما أي حوالي 19 يناير؛ ثم يبدأ أجل جديد من 60 يوما ينتهي حوالي 20 مارس.
الخلاصة — شروط قبول دعوى الإلغاء
- دعوى الإلغاء: إعدام قرار غير مشروع؛ موضوعية، دعوى قانون عام (دام لاموت 1950، الفصل 118)، من النظام العام، سلطات محدودة (إلغاء أو رفض)، حجية مطلقة، معفاة من الرسوم.
- القرار: عمل قانوني انفرادي، صادر عن سلطة إدارية، تنفيذي ومؤثر؛ يستبعد العمل المادي، العقد (إلا القرارات المنفصلة)، الأعمال التحضيرية، المناشير التفسيرية، الإجراءات الداخلية؛ القرار الضمني بالسكوت 60 يوما.
- المستبعد: أعمال السيادة، القرارات الملكية (الروندة).
- الصفة والمصلحة: مصلحة شخصية مباشرة، مادية أو معنوية، محققة أو محتملة؛ الجار، المنافس، دافع الضرائب المحلية، الجمعيات في حدود غرضها؛ تقدر يوم الرفع؛ زوالها = عدم الحاجة إلى البت.
- الأجل (23): 60 يوما من النشر (تنظيمي) أو التبليغ (فردي) أو العلم اليقيني؛ التظلم داخل الأجل يفتح أجلا جديدا من الرفض الصريح أو الضمني (60 يوما)؛ القرار المنعدم لا يتحصن.
- الدعوى الموازية (23، الفقرة الأخيرة): عدم القبول إذا وجد طعن في القضاء الشامل يحقق النتيجة نفسها (الضرائب، المعاشات، العقود)؛ تضييق اجتهادي.