مفهوم المنازعات الإدارية وتطور القضاء الإداري وقواعد الاختصاص
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف المنازعات الإدارية وتمييزها عن المنازعات العادية؛
- تتبع مراحل تطور القضاء الإداري بالمغرب من 1913 إلى اليوم؛
- تحديد مصادر المنازعات الإدارية؛
- تصنيف الدعاوى الإدارية: الإلغاء والقضاء الشامل وفحص المشروعية والتفسير؛
- تطبيق قواعد الاختصاص النوعي والمحلي للمحاكم الإدارية ولمحكمة النقض؛
- معالجة الدفع بعدم الاختصاص.
1.1 مفهوم المنازعات الإدارية
المنازعات الإدارية هي مجموع الدعاوى التي تكون الإدارة طرفا فيها، والتي تخضع لقواعد القانون الإداري ويختص بها القاضي الإداري. وتعني المادة أيضا مجموع القواعد التي تنظم هذه الدعاوى: الاختصاص، المسطرة، شروط القبول، سلطات القاضي، التنفيذ.
المعيار: لا يكفي أن تكون الإدارة طرفا في النزاع ليكون إداريا؛ فالإدارة قد تتصرف كالأفراد (كراء مسكن، شراء لوازم بعقد عادي، تسيير مرفق صناعي وتجاري في بعض جوانبه)، فتخضع منازعاتها للقضاء العادي. ويعتمد الفقه والاجتهاد على:
- المعيار العضوي: وجود شخص من أشخاص القانون العام (الدولة، الجماعات الترابية، المؤسسات العمومية)؛
- المعيار المادي: تعلق النزاع بنشاط مرفق عام أو باستعمال امتيازات السلطة العامة. والنزاع الإداري هو الذي يجمع غالبا بين المعيارين.
الغاية: تحقيق التوازن بين امتيازات الإدارة الضرورية للمصلحة العامة (القرار التنفيذي، التنفيذ المباشر) وحقوق الأفراد وحرياتهم، وفرض خضوع الإدارة للقانون (مبدأ المشروعية).
1.2 تطور القضاء الإداري بالمغرب
- ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتنظيم القضائي للحماية (الفصل 8): أعطى المحاكم الفرنسية (العادية) بالمغرب اختصاص النظر في دعاوى التعويض ضد الإدارة، مع منعها من إلغاء القرارات الإدارية أو الأمر بوقف تنفيذها؛ فلم يكن هناك قضاء إلغاء؛
- ظهير 27 شتنبر 1957 المحدث للمجلس الأعلى: أنشأ الغرفة الإدارية وأسند إليها لأول مرة دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ابتدائيا وانتهائيا؛
- قانون المسطرة المدنية 1974: نظم الدعاوى الإدارية أمام المحاكم الابتدائية (التعويض) والغرفة الإدارية (الإلغاء)؛
- القانون 41.90 (ظهير 10 شتنبر 1993): أحدث المحاكم الإدارية، التي بدأت عملها في 4 مارس 1994، فأصبحت قاضي القانون العام في المادة الإدارية؛ وجاء ذلك في سياق خطاب ملكي سنة 1990 ربط القضاء الإداري بحقوق الإنسان؛
- القانون 80.03 (2006): أحدث محاكم الاستئناف الإدارية، فأصبح التقاضي على درجتين ثم النقض؛
- دستور 2011: الفصل 118 («كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة»)، والفصل 126 (إلزامية الأحكام)؛
- القانون 38.15 (2022): إمكانية إحداث أقسام متخصصة في القضاء الإداري داخل بعض المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، تقريبا لهذا القضاء من المتقاضين.
النظام المغربي: وحدة القضاء في القمة (الغرفة الإدارية بمحكمة النقض) مع قضاء إداري متخصص في القاعدة، أي ازدواجية مخففة، خلافا للنظام الفرنسي حيث يعلو مجلس الدولة القضاء الإداري.
1.3 مصادر المنازعات الإدارية
- الدستور: الفصول 118 و126 و114 (الطعن في مقررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية)؛
- القانون 41.90 والقانون 80.03؛
- قانون المسطرة المدنية: يطبق أمام المحاكم الإدارية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك (المادة 7 من 41.90)؛
- قانون الالتزامات والعقود: الفصلان 79 و80 في المسؤولية الإدارية؛
- النصوص الخاصة: القانون 03.01 (تعليل القرارات)، 7.81 (نزع الملكية)، المدونة العامة للضرائب، القوانين الانتخابية، النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؛
- الاجتهاد القضائي: دوره حاسم، لأن كثيرا من القواعد (نظرية القرار الإداري، الخطأ المرفقي، المسؤولية بدون خطأ، رقابة الملاءمة) من صنع القاضي، متأثرا بالاجتهاد الفرنسي.
1.4 تصنيف الدعاوى الإدارية
يعتمد الفقه، منذ لافيريير، تصنيفا رباعيا حسب سلطات القاضي:
- قضاء الإلغاء (دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة): يطلب فيه إلغاء قرار إداري غير مشروع؛ سلطة القاضي محدودة في الإلغاء أو الرفض؛ وهي دعوى موضوعية تحمي المشروعية؛
- القضاء الشامل: يطلب فيه الاعتراف بحق شخصي (تعويض، تنفيذ عقد، معاش)؛ للقاضي سلطات واسعة: الحكم بمبلغ، تعديل القرار، إلغاؤه؛ وهي دعوى ذاتية؛
- قضاء فحص المشروعية: يطلب فيه من القاضي الإداري تقدير مشروعية قرار إداري أثير بشأنه دفع أمام القاضي العادي (المادة 44 من 41.90)، دون إلغائه؛
- قضاء التفسير: تفسير قرار إداري غامض بإحالة من قاض آخر. ويضاف القضاء الزجري الإداري في فرنسا (مخالفات الملك العمومي)، وهو محدود بالمغرب.
1.5 قواعد الاختصاص النوعي
اختصاص المحاكم الإدارية (المادة 8 من القانون 41.90): تختص، مع مراعاة المادتين 9 و11، بالبت ابتدائيا في:
- طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة؛
- النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية؛
- دعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، باستثناء الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام (وهذه للقضاء العادي)؛
- النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمعاشات ومنح الوفاة المستحقة للعاملين في مرافق الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العامة وموظفي إدارة مجلس النواب ومجلس المستشارين؛
- النزاعات المتعلقة بالانتخابات (المحلية والمهنية)؛
- النزاعات الضريبية؛
- نزع الملكية لأجل المنفعة العامة؛
- تحصيل الديون المستحقة للخزينة العامة؛
- النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العامة؛
- فحص شرعية القرارات الإدارية.
اختصاص محكمة النقض (المادة 9): تختص الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ابتدائيا وانتهائيا بطلبات الإلغاء الموجهة ضد:
- المقررات التنظيمية والفردية الصادرة عن رئيس الحكومة؛
- قرارات السلطات الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية. وتنفرد المحكمة الإدارية بالرباط ببعض النزاعات، كتلك المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير أو مرسوم (المادة 11).
الاستثناءات من اختصاص القضاء الإداري: حوادث المركبات العمومية (القضاء العادي)، أعمال السيادة (لا تخضع للرقابة حسب الاجتهاد)، القرارات الملكية (اجتهاد قضية الروندة، 1970)، المرافق الصناعية والتجارية في علاقتها بالمرتفقين.
1.6 الاختصاص المحلي والدفع بعدم الاختصاص
الاختصاص المحلي (المادة 10): الأصل أنه يرجع إلى المحكمة الإدارية التي يوجد في دائرتها موطن المدعى عليه، مع قواعد خاصة: في طلبات الإلغاء، للمحكمة التي يوجد في دائرتها موطن طالب الإلغاء أو التي صدر القرار بدائرتها؛ وفي العقار، لمحكمة موقعه؛ وفي العقود، لمحكمة مكان التنفيذ. ويمكن الاتفاق على مخالفة قواعد الاختصاص المحلي في العقود.
الاختصاص النوعي من النظام العام (المادة 12): يجوز للأطراف الدفع بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل الدعوى، وعلى المحكمة أن تثيره تلقائيا.
البت في الدفع (المادة 13): إذا أثير دفع بعدم الاختصاص النوعي أمام جهة قضائية عادية أو إدارية، وجب عليها أن تبت فيه بحكم مستقل، ولا يجوز لها أن تضمه إلى الموضوع؛ ويمكن استئناف هذا الحكم داخل أجل قصير أمام الجهة المختصة التي تبت فيه بسرعة، تفاديا لتعطيل النزاع.
الإحالة: إذا صرحت المحكمة الإدارية بعدم اختصاصها لصالح محكمة النقض أو العكس، يحال الملف بقوة القانون إلى الجهة المختصة، حتى لا يضيع على المدعي حقه بسبب خطأ في الاختيار.
1.7 منهجية: تحديد القاضي المختص في نزاع إداري
- هل يوجد شخص من أشخاص القانون العام؟ (دولة، جماعة، مؤسسة عمومية)
- ما طبيعة النشاط؟ مرفق عام إداري أم صناعي وتجاري؟ امتيازات السلطة أم تصرف كالأفراد؟
- ما نوع الطلب؟ إلغاء، تعويض، عقد، معاش، ضريبة، انتخاب، نزع ملكية.
- هل يوجد استثناء؟ مركبة عمومية، عمل سيادة، قرار ملكي.
- من هو مصدر القرار؟ رئيس الحكومة (محكمة النقض) أم سلطة أخرى (المحكمة الإدارية)؟
- حدد المحكمة محليا (المادة 10)، ثم طريق الطعن (محكمة الاستئناف الإدارية ثم النقض).
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- القول إن كل نزاع تكون الإدارة طرفا فيه إداري.
- إسناد حوادث سيارات الإدارة إلى المحكمة الإدارية: هي للقضاء العادي (المادة 8).
- نسيان أن قرارات رئيس الحكومة يطعن فيها مباشرة أمام محكمة النقض (المادة 9).
- الخلط بين قضاء الإلغاء (موضوعي، إلغاء أو رفض) والقضاء الشامل (ذاتي، سلطات واسعة).
- اعتبار الاختصاص النوعي قابلا للاتفاق: إنه من النظام العام.
Exercice 1 — نازلة
حدد القاضي المختص في كل حالة:
- مرسوم صادر عن رئيس الحكومة يغير شروط ولوج وظيفة عمومية.
- سيارة تابعة لوزارة الصحة صدمت راجلا في شارع عمومي.
- تلميذ أصيب داخل مدرسة عمومية بسبب انهيار جدار متهالك.
- قرار عامل إقليم بإغلاق مقهى.
- مكتر لشقة في ملك خاص لجماعة ترابية يطالب بتخفيض الكراء.
- موظف متقاعد يطالب بمراجعة معاشه.
- صفقة أشغال عمومية نشب بشأنها نزاع حول غرامات التأخير.
Voir le corrigé
1. المرسوم. مقرر تنظيمي صادر عن رئيس الحكومة: تختص به الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ابتدائيا وانتهائيا (المادة 9 من 41.90).
2. سيارة الوزارة. رغم أن المسؤول شخص من أشخاص القانون العام، فإن الأضرار التي تسببها المركبات في الطريق العام مستثناة من اختصاص المحاكم الإدارية (المادة 8)؛ فيختص القضاء العادي (المحكمة الابتدائية)، مع إدخال الوكيل القضائي للمملكة.
3. التلميذ. ضرر ناتج عن نشاط مرفق عام (التعليم) وعن سوء صيانة بناية عمومية: دعوى تعويض من اختصاص المحكمة الإدارية في إطار القضاء الشامل (المسؤولية الإدارية، الفصل 79 من ق.ل.ع).
4. قرار العامل. قرار إداري فردي صادر عن سلطة إدارية (في إطار الضبط الإداري): يطعن فيه بالإلغاء أمام المحكمة الإدارية المختصة محليا.
5. الكراء. الجماعة تتصرف في ملكها الخاص كالأفراد، بعقد كراء عادي: يختص القضاء العادي، ما لم يتضمن العقد شروطا استثنائية تجعله إداريا.
6. المعاش. نزاع ناشئ عن تطبيق نصوص المعاشات المدنية: المحكمة الإدارية (المادة 8)، في إطار القضاء الشامل.
7. الصفقة. عقد إداري (صفقة عمومية): المحكمة الإدارية، في إطار القضاء الشامل، وتراقب مشروعية الغرامات وتناسبها.
Exercice 2 — إداري أم عادي؟
- نزاع حول فاتورة ماء بين مرتفق ومكتب عمومي للماء؛ 2) طعن في قرار رفض رخصة سياقة؛ 3) دعوى تعويض عن سقوط عمود إنارة عمومية على سيارة متوقفة؛ 4) نزاع حول عقد شراء أوراق مكتبية بفاتورة عادية.
Voir le corrigé
- عادي في الغالب (مرفق صناعي وتجاري مع مرتفقيه)؛ 2) إداري (قرار إداري فردي، إلغاء)؛ 3) إداري (ضرر ناتج عن نشاط وصيانة منشأة عمومية، وليس عن مركبة عمومية)؛ 4) عادي (عقد عادي دون شروط استثنائية).
Exercice 3 — أي دعوى؟
- طلب إعدام قرار غير مشروع؛ 2) طلب الحكم بتعويض؛ 3) قاض عادي يحيل لتقدير مشروعية قرار؛ 4) طلب تحديد معنى قرار غامض.
Voir le corrigé
- الإلغاء؛ 2) القضاء الشامل؛ 3) فحص المشروعية؛ 4) التفسير.
الخلاصة — المفهوم والاختصاص
- المنازعة الإدارية: إدارة طرف + قانون إداري + قاض إداري؛ المعيار العضوي (شخص عام) والمادي (مرفق عام، امتيازات السلطة)؛ الإدارة المتصرفة كالأفراد تخضع للقضاء العادي.
- التطور: ظهير 1913 (الفصل 8: تعويض دون إلغاء)، المجلس الأعلى 1957 (الغرفة الإدارية والإلغاء)، القانون 41.90 (المحاكم الإدارية، 4 مارس 1994)، 80.03 (2006)، الفصل 118 (2011)، 38.15 (أقسام متخصصة).
- وحدة في القمة (محكمة النقض) وتخصص في القاعدة.
- المصادر: الدستور، 41.90، 80.03، ق.م.م (المادة 7)، الفصلان 79 و80 من ق.ل.ع، النصوص الخاصة، الاجتهاد.
- الدعاوى: الإلغاء (موضوعي)، القضاء الشامل (ذاتي)، فحص المشروعية (المادة 44)، التفسير.
- المادة 8: الإلغاء، العقود، التعويض (باستثناء المركبات)، المعاشات، الانتخابات، الضرائب، نزع الملكية، ديون الخزينة، الوضعية الفردية، فحص الشرعية.
- المادة 9: محكمة النقض لقرارات رئيس الحكومة والقرارات المتعدية لنطاق محكمة إدارية؛ المادة 11: الرباط للمعينين بظهير أو مرسوم.
- المستبعد: أعمال السيادة، القرارات الملكية (الروندة 1970)، المرافق الصناعية والتجارية مع مرتفقيها.
- المحلي (10)؛ النوعي من النظام العام (12)، حكم مستقل في الدفع (13).