الأهلية والمحل والسبب والبطلان
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تحديد مراتب الأهلية حسب مدونة الأسرة وأثرها على العقود؛
- تحديد شروط المحل: الوجود والتعيين والمشروعية؛
- شرح ركن السبب ووظيفته في حماية النظام العام؛
- التمييز بين البطلان المطلق والإبطال (القابلية للإبطال)؛
- ترتيب آثار البطلان: الإرجاع والتعويض.
3.1 الأهلية
الأهلية هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات (أهلية الوجوب) وصلاحيته لمباشرة التصرفات القانونية بنفسه (أهلية الأداء). وينص الفصل 3 من ق.ل.ع على أن الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية، أي في المغرب لمدونة الأسرة (المواد 206 إلى 228).
مراتب أهلية الأداء:
- عديم الأهلية: الصغير الذي لم يبلغ اثنتي عشرة سنة شمسية كاملة (غير المميز)، والمجنون وفاقد العقل؛ تصرفاته باطلة، ويتولى عنه نائبه الشرعي (الولي أو الوصي أو المقدم) التصرف؛
- ناقص الأهلية: الصغير المميز من 12 سنة إلى سن الرشد، والسفيه والمعتوه؛ تصرفاته:
- النافعة له نفعا محضا (قبول هبة) صحيحة؛
- الضارة به ضررا محضا (التبرع بماله) باطلة؛
- الدائرة بين النفع والضرر (البيع والشراء) موقوفة على إجازة نائبه الشرعي، وقابلة للإبطال لمصلحته (الفصل 4 من ق.ل.ع)؛
- كامل الأهلية: من بلغ سن الرشد القانوني، وهو ثماني عشرة سنة شمسية كاملة (المادة 209 من مدونة الأسرة)، متمتعا بقواه العقلية ولم يثبت سفهه.
الترشيد: يمكن للقاصر الذي بلغ ست عشرة سنة أن يطلب من المحكمة ترشيده، أو يطلب ذلك نائبه الشرعي، إذا ثبت رشده؛ فيصبح كامل الأهلية في إدارة أمواله والتصرف فيها.
موانع الأهلية: قد يكون الشخص كامل الأهلية ولكن القانون يمنعه من بعض التصرفات حماية لمصلحة معينة، كمنع القضاة والموظفين من شراء الحقوق المتنازع فيها أمام المحاكم التي يعملون في دائرتها.
أهلية الشخص الاعتباري: تتحدد بالغرض الذي أنشئ من أجله، ويتصرف عنه ممثله القانوني في حدود صلاحياته.
الإثبات: يقع عبء إثبات نقص الأهلية على من يدعيه، ولا يمكن للمتعاقد الكامل الأهلية أن يتمسك بنقص أهلية من تعاقد معه (الإبطال مقرر لمصلحة ناقص الأهلية وحده).
3.2 المحل
المحل هو ما يلتزم به المدين: الشيء الذي يجب تسليمه أو العمل الذي يجب القيام به أو الامتناع عنه. وينظمه ق.ل.ع في الفصول 57 إلى 61. ويشترط فيه:
الوجود أو الإمكان:
- إذا كان المحل شيئا، يجب أن يكون موجودا وقت التعاقد أو قابلا للوجود في المستقبل؛ فيجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا (بيع محصول قبل نضجه، بيع شقة في طور الإنجاز)، مع استثناء مهم: لا يجوز التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة، ولو برضاه (الفصل 61)، لأن ذلك يتنافى مع الآداب ويثير المضاربة على موت الغير؛
- إذا كان المحل عملا، يجب أن يكون ممكنا: فالالتزام بمستحيل باطل (الاستحالة المطلقة)، أما الاستحالة النسبية الخاصة بالمدين فلا تمنع صحة العقد.
التعيين أو القابلية للتعيين: يجب أن يكون المحل معينا أو قابلا للتعيين، على الأقل من حيث نوعه؛ ويجوز أن تكون الكمية غير محددة إذا كانت قابلة للتحديد فيما بعد (الفصل 58). ويكفي في الثمن أن يكون قابلا للتحديد بالرجوع إلى سعر السوق مثلا.
المشروعية: يجب أن يكون المحل مما يجوز التعامل فيه: فالأشياء الخارجة عن دائرة التعامل بطبيعتها (الهواء) أو بحكم القانون (الأملاك العامة، المخدرات، الأعضاء البشرية بمقابل، جسم الإنسان) لا تصلح محلا للالتزام. ويبطل الالتزام الذي يكون محله مخالفا للنظام العام أو للأخلاق الحميدة أو للقانون (الفصل 57 وما بعده).
3.3 السبب
السبب هو الغاية أو الباعث الدافع إلى التعاقد. وينظمه ق.ل.ع في الفصول 62 إلى 65:
- الفصل 62: الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن؛ ويكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون؛
- الفصل 63: يفترض في كل التزام أن له سببا حقيقيا ومشروعا ولو لم يذكر، أي أن عبء إثبات انعدام السبب أو عدم مشروعيته يقع على من يدعيه؛
- الفصل 64: السبب المذكور هو السبب الحقيقي حتى يثبت العكس؛ ويمكن إثبات الصورية.
وظيفتا السبب:
- الوظيفة الحمائية (السبب بمعنى المقابل): في العقود الملزمة للجانبين، يكون سبب التزام كل طرف هو التزام الطرف الآخر؛ فإذا انعدم المقابل (بيع شيء هالك قبل التعاقد)، انعدم السبب وبطل الالتزام؛
- وظيفة حماية النظام العام (السبب بمعنى الباعث): يبطل العقد إذا كان الباعث الدافع إليه غير مشروع، ولو كان المحل في ذاته مشروعا، كاقتراض مال للمقامرة مع علم المقرض بالغرض، أو كراء محل لاستغلاله في الدعارة أو في نشاط ممنوع مع علم المكري بذلك.
3.4 الجزاء: البطلان والإبطال
عندما يتخلف ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحته، يرتب القانون البطلان. ويميز ق.ل.ع (الفصول 306 إلى 318) بين درجتين:
البطلان المطلق (الفصل 306): يكون الالتزام باطلا بقوة القانون:
- إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه (انعدام الرضى، انعدام المحل أو السبب، عدم مشروعيتهما، تخلف الشكل المطلوب للانعقاد)؛
- إذا قرر القانون بطلانه في حالة خاصة. وخصائصه:
- يمكن لكل ذي مصلحة أن يتمسك به، وللمحكمة أن تثيره تلقائيا؛
- لا يقبل الإجازة ولا التصحيح: الالتزام الباطل لا يمكن أن يصير صحيحا بالإقرار (الفصل 310)؛
- لا ينتج أي أثر، إلا الاسترداد.
الإبطال أو القابلية للإبطال (الفصول 311 وما بعده): يكون العقد قائما ومنتجا لآثاره إلى أن يتقرر إبطاله:
- في حالات نقص الأهلية وعيوب الرضى (الغلط والتدليس والإكراه والغبن في الحدود المقررة) والحالات الأخرى التي يحددها القانون؛
- لا يتمسك به إلا الطرف المحمي (ناقص الأهلية أو ضحية العيب) أو ورثته؛
- يقبل الإجازة: إذا أجاز صاحب الحق العقد صراحة أو ضمنا بعد زوال العيب، أصبح العقد صحيحا نهائيا؛
- يتقادم بمضي أجل قصير: تتقادم دعوى الإبطال بسنة في الحالات المحددة قانونا، يبدأ سريانها من وقت زوال الإكراه أو اكتشاف الغلط أو التدليس، أو من بلوغ القاصر سن الرشد (الفصل 311 وما يليه)، مع أجل أقصى يحدده القانون ابتداء من تاريخ العقد.
| المعيار | البطلان المطلق | الإبطال |
|---|---|---|
| الحالات | تخلف ركن، نص خاص | نقص الأهلية، عيوب الرضى |
| من يتمسك به | كل ذي مصلحة، والمحكمة تلقائيا | الطرف المحمي وحده |
| الإجازة | غير ممكنة | ممكنة |
| التقادم | لا تتقادم دعوى البطلان في المبدأ (يتقادم الاسترداد) | أجل قصير |
3.5 آثار البطلان
بين الطرفين: الإرجاع: يترتب على البطلان، سواء كان مطلقا أو مقررا بالإبطال، زوال العقد بأثر رجعي، فيعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد: يرد البائع الثمن ويرد المشتري المبيع؛ وإذا استحال الرد عينا، وجب رد القيمة. وتراعى القواعد الخاصة بـ:
- ناقص الأهلية: لا يلزم إلا برد ما عاد عليه بالنفع، حماية له؛
- الثمار: يحتفظ الحائز حسن النية بالثمار التي قبضها.
العقود الزمنية: يتعذر الإرجاع بالنسبة للمدة المنقضية في عقود الكراء والشغل، فيلزم المستفيد بأداء مقابل الانتفاع.
التعويض: إذا كان أحد الطرفين مسؤولا عن سبب البطلان (المدلس، المكره)، جاز للطرف الآخر المطالبة بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية عن الضرر الذي لحقه.
البطلان الجزئي: إذا كان سبب البطلان يتعلق بشرط من شروط العقد فقط، يبطل هذا الشرط وحده ويبقى العقد صحيحا في الباقي، إلا إذا كان الشرط دافعا إلى التعاقد بحيث لا يتصور قيام العقد بدونه (الفصل 308).
عدم الاحتجاج بالنفس: لا يمكن لمن ساهم في عقد غير مشروع (رشوة، تهريب) أن يسترد ما دفعه في بعض الحالات، تطبيقا لقاعدة عدم جواز تمسك الشخص بفعله غير المشروع، وهي مسألة دقيقة يقدرها القضاء.
3.6 منهجية: مراقبة صحة العقد
- الأهلية: سن الطرفين وحالتهما العقلية، الحجر، الترشيد، النيابة.
- التراضي: وجود الإيجاب والقبول وتطابقهما، خلوهما من العيوب (الفصل الثاني).
- المحل: موجود أو ممكن، معين أو قابل للتعيين، مشروع؛ عدم التعامل في تركة مستقبلة.
- السبب: موجود ومشروع (المقابل والباعث).
- الشكل: عند اشتراطه للانعقاد.
- الجزاء: بطلان مطلق أو إبطال، وآثاره (الإرجاع، التعويض، البطلان الجزئي).
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين سن التمييز (12 سنة) وسن الرشد (18 سنة).
- اعتبار تصرفات ناقص الأهلية باطلة دائما: الدائرة بين النفع والضرر موقوفة على الإجازة وقابلة للإبطال.
- نسيان منع التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة (الفصل 61).
- القول إن البطلان المطلق يقبل الإجازة: لا يقبلها.
- إغفال أن للإبطال أجلا قصيرا، وأنه لا يتمسك به إلا الطرف المحمي.
Exercice 1 — عقود يونس
يونس، البالغ من العمر سبع عشرة سنة، غير مرشد:
- باع دراجته النارية لصديقه بثمن 7.000 درهم، وقيمتها الحقيقية 15.000 درهم.
- قبل هبة حاسوب من عمه.
- اقترض من السيد رشيد 10.000 درهم ليدفعها رشوة لموظف، والسيد رشيد يعلم بذلك.
- اتفق مع أخيه على أن يبيعه حصته في تركة والدهما الذي ما زال حيا.
حدد مصير كل عقد.
Voir le corrigé
1. بيع الدراجة. يونس قاصر مميز (17 سنة) فهو ناقص الأهلية. والبيع تصرف دائر بين النفع والضرر، فهو موقوف على إجازة نائبه الشرعي، وقابل للإبطال لمصلحة يونس (الفصل 4 من ق.ل.ع). يضاف إلى ذلك الغبن: الثمن (7.000) أقل من القيمة (15.000) بأكثر من النصف، أي بأكثر من الثلث؛ فيخول الغبن الإبطال لأن البائع قاصر (الفصل 56). يمكن لنائبه الشرعي أو ليونس بعد بلوغه سن الرشد طلب الإبطال داخل الأجل؛ وعندها يرد يونس الثمن في حدود ما عاد عليه بالنفع، ويسترجع الدراجة. ولا يمكن للصديق أن يتمسك بنقص أهلية يونس.
2. قبول الهبة. قبول هبة الحاسوب تصرف نافع نفعا محضا للقاصر: هو صحيح دون حاجة إلى إجازة.
3. القرض للرشوة. القرض في ذاته عقد مشروع، لكن الباعث الدافع إليه غير مشروع (الرشوة)، والمقرض يعلم به: السبب غير مشروع، فالالتزام يعد كأن لم يكن (الفصل 62)، وهو باطل بطلانا مطلقا. ويضاف إلى ذلك نقص أهلية يونس. وتثار مسألة استرداد المقرض للمبلغ: يقدر القضاء ذلك في ضوء مساهمة المقرض في الغرض غير المشروع. والرشوة جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي.
4. التعامل في تركة الأب الحي. محل الاتفاق هو تركة إنسان على قيد الحياة: والتعامل فيها باطل ولو برضى صاحبها (الفصل 61). فالعقد باطل بطلانا مطلقا لعدم مشروعية المحل، ولا يقبل الإجازة، وللمحكمة أن تثيره تلقائيا. ولو كان يونس راشدا لكانت النتيجة نفسها.
Exercice 2 — باطل أم قابل للإبطال؟
- بيع مخدرات؛ 2) بيع أبرمه شخص تحت التهديد بالسلاح؛ 3) بيع عقار دون الشكل المنصوص عليه في الفصل 4 من مدونة الحقوق العينية؛ 4) شراء أبرمه قاصر عمره 15 سنة دون إذن وليه؛ 5) هبة أبرمها مجنون.
Voir le corrigé
- باطل بطلانا مطلقا: محل غير مشروع. 2) قابل للإبطال: إكراه. 3) باطل: تخلف الشكل المطلوب للانعقاد. 4) قابل للإبطال لمصلحة القاصر، موقوف على إجازة الولي. 5) باطل: عديم الأهلية وتصرف ضار ضررا محضا.
Exercice 3 — صحيح أم خطأ
- يجوز بيع محصول السنة المقبلة. 2) يمكن للمتعاقد الراشد أن يطلب إبطال العقد لنقص أهلية القاصر الذي تعاقد معه. 3) يفترض في كل التزام أن له سببا مشروعا. 4) يمكن إجازة عقد باطل بطلانا مطلقا. 5) يلزم ناقص الأهلية برد كل ما قبضه ولو أتلفه.
Voir le corrigé
- صحيح: يجوز أن يكون المحل شيئا مستقبلا. 2) خطأ: الإبطال مقرر لمصلحة ناقص الأهلية وحده. 3) صحيح (الفصل 63). 4) خطأ (الفصل 310). 5) خطأ: لا يرد إلا ما عاد عليه بالنفع.
الخلاصة — الأهلية والمحل والسبب والبطلان
- الأهلية تخضع للأحوال الشخصية (الفصل 3) أي مدونة الأسرة: عديم الأهلية (أقل من 12 سنة، المجنون) تصرفاته باطلة؛ ناقص الأهلية (من 12 إلى 18، السفيه، المعتوه)؛ كامل الأهلية في 18 سنة (المادة 209).
- تصرفات ناقص الأهلية: النافعة نفعا محضا صحيحة، الضارة ضررا محضا باطلة، الدائرة بين النفع والضرر موقوفة وقابلة للإبطال (الفصل 4)؛ الترشيد ابتداء من 16 سنة.
- المحل (الفصول 57 إلى 61): موجود أو ممكن، يجوز أن يكون مستقبلا إلا تركة إنسان حي (الفصل 61)؛ معين أو قابل للتعيين؛ مشروع.
- السبب (الفصول 62 إلى 65): الالتزام بلا سبب أو بسبب غير مشروع كأن لم يكن (62)؛ يفترض وجوده ومشروعيته (63)؛ السبب المذكور حقيقي حتى يثبت العكس (64)؛ وظيفة المقابل ووظيفة الباعث.
- البطلان المطلق (الفصل 306): تخلف ركن أو نص خاص؛ يتمسك به كل ذي مصلحة والمحكمة تلقائيا؛ لا يقبل الإجازة (الفصل 310).
- الإبطال (الفصول 311 وما بعده): نقص الأهلية وعيوب الرضى؛ لا يتمسك به إلا الطرف المحمي؛ يقبل الإجازة؛ أجل قصير (سنة).
- الآثار: زوال العقد بأثر رجعي، الإرجاع عينا أو بالقيمة؛ ناقص الأهلية لا يرد إلا ما عاد عليه بالنفع؛ العقود الزمنية؛ التعويض على المسؤول عن البطلان.
- البطلان الجزئي (الفصل 308) ما لم يكن الشرط دافعا.