التعددية القانونية
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- المقابلة بين الأحادية القانونية والتعددية القانونية؛
- تقديم أهم المؤلفين في التعددية (رومانو، غورفيتش، غريفيثس، مور)؛
- التمييز بين التعددية «الضعيفة» والتعددية «القوية»؛
- وصف التعددية القانونية في تاريخ المغرب؛
- تحليل وضعية تتنافس فيها قواعد عرفية وقواعد قانونية.
3.1 الأحادية والتعددية
تعريف — الأحادية القانونية: تصور يرى أنه لا يوجد على إقليم معين سوى قانون واحد هو قانون الدولة، وأن القواعد الأخرى (الأعراف، العادات، القواعد الدينية، أنظمة الجماعات) لا تصبح قانونا إلا إذا اعترفت بها الدولة.
وهو التصور السائد لدى رجال القانون منذ نشأة الدولة الحديثة وحركة التقنين، وقد أعطاه هانس كلسن صيغته الأكثر اكتمالا: القانون والدولة شيء واحد.
تعريف — التعددية القانونية: وضعية تتعايش فيها عدة أنظمة قانونية وتطبق على الأشخاص أنفسهم في الإقليم نفسه، وتكون الدولة فيها منتجا للقانون من بين منتجين آخرين.
والتعددية أولا ملاحظة واقعية: في الحياة الفعلية، يخضع الأفراد لقواعد صادرة عن مصادر متعددة (الدولة، الدين، الجماعة المحلية، المقاولة، المهنة)، قد يكمل بعضها بعضا أو يتعارض.
3.2 مؤلفو التعددية
| المؤلف | المؤلَّف | الفكرة |
|---|---|---|
| سانتي رومانو (فقيه إيطالي) | «النظام القانوني» (1918) | كل مؤسسة منظمة (كنيسة، مقاولة، جمعية، جماعة) تنتج نظامها القانوني الخاص |
| جورج غورفيتش | «فكرة القانون الاجتماعي» (1932) | ينشأ «القانون الاجتماعي» تلقائيا داخل الجماعات، مستقلا عن الدولة |
| أويغن إيرليخ | 1913 | القانون الحي للجماعات (الفصل الثاني) |
| برونيسلاف مالينوفسكي (أنثروبولوجي) | «الجريمة والعرف في المجتمع البدائي» (1926) | للمجتمعات التي لا دولة لها قانون يقوم على تبادل الالتزامات |
| سالي فالك مور | مقال سنة 1973 | «الحقل الاجتماعي شبه المستقل»: تنتج جماعة قواعدها، لكنها تبقى معرضة لقواعد الخارج |
| جون غريفيثس | «ما هي التعددية القانونية؟» (1986) | التمييز بين التعددية الضعيفة والقوية |
3.3 التعددية الضعيفة والتعددية القوية
- التعددية الضعيفة توجد حين تعترف الدولة نفسها بعدة قوانين وتطبقها على فئات مختلفة من الأشخاص، كأحوال شخصية مختلفة حسب الدين. وهي في الحقيقة شكل من الأحادية، لأن الدولة هي التي تنظم هذه التعددية.
- التعددية القوية (أو السوسيولوجية) تعني تعايش أنظمة قانونية مستقلة عن الدولة، سواء اعترفت بها أم لا: الأعراف المحلية، القواعد الدينية المعيشة، قواعد جماعة مهنية، أعراف التجارة الدولية، قواعد الجامعات الرياضية.
وتطرح التعددية القوية سؤالا صعبا: أين ينتهي القانون وأين تبدأ مجرد العادات؟ ولتجنب أن يصبح «كل شيء قانونا»، يشترط أغلب المؤلفين حدا أدنى من التنظيم: قاعدة، وجهة تنطق بها، وجزاء يعترف به أفراد الجماعة.
3.4 التعددية القانونية في تاريخ المغرب
يقدم المغرب حقلا كلاسيكيا لدراسة التعددية.
قبل الحماية، تعايشت عدة أنظمة:
- الفقه المالكي الذي يطبقه القضاة، خاصة في المدن وفي الأحوال الشخصية؛
- الأعراف القبلية (العرف، أو «إزرف» بالأمازيغية) التي تطبقها الجماعة في القرى، وكان بعضها مدونا في ألواح تحدد الغرامات والالتزامات الجماعية؛
- الأحوال الشخصية العبرية التي تطبقها المحاكم العبرية على المغاربة اليهود؛
- قواعد الحرف تحت سلطة أمين كل حرفة، ومراقبة الأسواق من طرف المحتسب.
في عهد الحماية (1912 - 1956)، أضافت فرنسا محاكم عصرية للأوروبيين، وحاولت عبر ظهير 16 ماي 1930 (الذي سمته الحركة الوطنية «الظهير البربري») إخراج بعض المناطق من اختصاص القضاة الشرعيين لفائدة محاكم عرفية. واعتبرت هذه السياسة محاولة للتفرقة، فأثارت تعبئة قوية، وطبعت تاريخ الحركة الوطنية المغربية.
بعد الاستقلال، اتجهت الدولة نحو توحيد القانون والقضاء: مدونات وطنية (قانون الجنسية، مدونة الأحوال الشخصية، مجموعة القانون الجنائي)، وقانون 1965 المتعلق بتوحيد المحاكم ومغربتها وتعريبها. وبقيت التعددية الضعيفة في الأحوال الشخصية: تنص المادة 2 من مدونة الأسرة على خضوع المغاربة اليهود لقواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية. وبقيت التعددية القوية في الممارسات العرفية.
3.5 حالة للدراسة: أراضي الجموع
أراضي الجموع أراض تملكها جماعات سلالية، وتمثل جزءا مهما من العقار القروي، خاصة للرعي والفلاحة. وقد نظمها طويلا ظهير 27 أبريل 1919، الذي أقام وصاية إدارية لوزارة الداخلية، مع ترك الاستغلال والقسمة لـأعراف كل جماعة ولنوابها.
وتجسد هذه الأراضي تلاقي نظامين:
- النظام العرفي الذي يحدد من له الحق في نصيب (غالبا الرجال أرباب الأسر)، وكيفية قسمة الأراضي والتعويضات؛
- النظام الرسمي الذي يمارس الوصاية ويراقب، بشكل متزايد، التفويتات والتعويضات.
وقد ظهر التعارض بوضوح مع حركة النساء السلاليات منذ الألفية الثالثة: طالبت نساء أقصين من التعويضات المدفوعة عند تفويت أراضي الجموع أو كرائها بالمساواة. واعترفت دوريات لوزارة الداخلية أولا بحقوقهن، ثم كرس القانون 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها (2019) المساواة بين أعضاء الجماعة، نساء ورجالا، في الانتفاع بأملاكها. وتبين الحالة كيف تستطيع الدولة تحويل عرف بتأطيره، وكيف يمكن لتعبئة اجتماعية أن تغير القانون (الفصل الخامس).
3.6 التعددية اليوم
لا تقتصر التعددية على المجتمعات القروية، بل تظهر أيضا في:
- القواعد الخاصة: الأنظمة الداخلية للمقاولات، مدونات السلوك، المواصفات التقنية (مثل المواصفات المغربية التي يصدرها المعهد المغربي للتقييس)؛
- القواعد الدينية المعيشة التي قد توجه اختيارات تعاقدية (المالية التشاركية) أو أسرية؛
- القواعد العابرة للدول: أعراف التجارة الدولية، قواعد التحكيم الدولي، شروط المنصات الرقمية؛
- الاقتصاد غير المهيكل: حيث تشتغل قواعد للثقة والقرض وحل النزاعات دون عقد مكتوب.
3.7 الأعراف في الحياة الحضرية المعاصرة
لا تقتصر التعددية على البوادي. ففي المدن المغربية، ما تزال أعراف تجارية كثيرة تنظم المعاملات اليومية: البيع بالكريدي لدى البقال، الذي يقوم على الثقة ودفتر يدوي دون عقد مكتوب؛ و**«الحلاوة»** أو «مفتاح» المحل التجاري الذي يدفعه المكتري الجديد، وهي ممارسة قديمة أطرها القانون جزئيا عبر نظام الأصل التجاري والكراء التجاري؛ وطرق التسعير والمساومة في الأسواق؛ وأعراف الجمعيات الدورية للادخار بين الأقارب والجيران («دارت»)، التي يدفع فيها كل مشارك مبلغا ثابتا ويستفيد من المجموع بالتناوب. وتشتغل هذه القواعد بفعالية لأنها تقوم على الثقة والسمعة وعلى جزاءات اجتماعية (الإقصاء من الجماعة، فقدان الاعتبار)، دون حاجة إلى القاضي. لكنها تجد حدودها حين يقع نزاع حاد أو حين يغيب أحد الأطراف، فيعود الأطراف إلى القانون الرسمي. ويبين ذلك أن الأفراد يتنقلون بين الأنظمة المعيارية حسب مصلحتهم وحسب طبيعة النزاع، وهي ظاهرة يسميها بعض الباحثين «التسوق بين الأنظمة القانونية».
3.8 المنهجية: تحليل وضعية تعددية
- حدد الأنظمة المعيارية الحاضرة (الدولة، الدين، العرف، الجماعة المهنية، النظام العابر للدول).
- صف في كل نظام: القاعدة، والجهة التي تنطق بها، والجزاء.
- كيّف العلاقات بينها: تكامل، تنافس، تعارض، اعتراف من الدولة.
- ميز بين التعددية الضعيفة (تنظمها الدولة) والقوية (مستقلة عنها).
- استنتج أي قاعدة تسود في الواقع، وما التطورات الممكنة.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين التعددية الضعيفة (تنظمها الدولة) والقوية (أنظمة مستقلة عن الدولة).
- الاعتقاد بأن التعددية خاصة بالمجتمعات «التقليدية»: توجد أيضا في المقاولات والرياضة والتجارة الدولية.
- اعتبار كل عادة نظاما قانونيا: يجب وجود قاعدة وجهة وجزاء معترف بها.
- إغفال ظهير 16 ماي 1930 في تاريخ التعددية بالمغرب، وبعده السياسي.
- إغفال تطور أراضي الجموع الأخير (القانون 62.17 لسنة 2019).
Exercice 1 — حالة عملية: مياه السقي في واحة
في واحة بإقليم الرشيدية، توزع مياه الخطارة منذ أجيال وفق نوبة عرفية تحددها الجماعة: لكل أسرة عدد من ساعات السقي حسب نصيبها الموروث، ومن يخالف النوبة تفرض عليه الجماعة غرامة. وقرر فلاح من خارج الواحة حفر بئر عميقة بمضخة كهربائية قرب الخطارة لسقي ضيعة جديدة، مما خفض صبيب الخطارة. ويستند الفلاح إلى أنه «يملك الأرض ويحق له حفر بئر فيها».
- حدد الأنظمة المعيارية الحاضرة والقاعدة التي يقترحها كل منها.
- هل يتعلق الأمر بتعددية ضعيفة أم قوية؟
- ما القاعدة التي يجب أن تسود قانونا؟ وعلى أي أساس؟
- ماذا تكشف هذه الحالة عن العلاقة بين العرف والقانون؟
Voir le corrigé
1. الأنظمة الحاضرة.
- النظام العرفي للواحة: نوبة سقي تحددها الجماعة، وجزاء هو الغرامة؛ وهو ينظم اقتسام مورد نادر بين الأسر.
- النظام الرسمي: قانون الماء 36.15 (2016) الذي يجعل الماء ملكا عاما، ويخضع حفر الآبار وجلب المياه لـترخيص أو تصريح لدى وكالة الحوض المائي حسب الحالات، ويراعي الحقوق المكتسبة على المياه.
- تصور الفلاح: يخلط بين ملكية الأرض وملكية الماء، وهو تصور شائع لكنه غير مطابق للقانون.
2. التكييف. العرف المنظم للنوبة نظام ناشئ عن الجماعة نفسها، فهو تعددية قوية من حيث الأصل؛ لكن الدولة تعترف بحقوق الماء المكتسبة وتؤطرها في قانون الماء، فيوجد تداخل بين النظامين تحت إشراف الدولة.
3. القاعدة الواجبة التطبيق. يجب أن يسود قانون الماء: ملكية الأرض لا تخول حق استغلال الماء الجوفي بحرية، بل يجب الحصول على الإذن الإداري المطلوب، وتراعي الإدارة أثر البئر على الحقوق القائمة. ويمكن لأعضاء الجماعة أن يطلبوا من وكالة الحوض المائي التحقق من مشروعية البئر، وأن يلجؤوا إلى القضاء للمطالبة بوقف الضرر والتعويض.
4. الدرس. تبين الحالة أن العرف ما يزال حيا (بمعنى إيرليخ) وينظم موارد حيوية بفعالية، لكنه يعجز وحده أمام فاعل من خارج الجماعة لا يعترف بسلطتها. وهنا يصبح القانون الرسمي ضروريا لحماية الحقوق العرفية نفسها. فالعلاقة بين النظامين ليست دائما تعارضا، بل قد تكون تكاملا: العرف ينظم الداخل، والقانون يحمي من الخارج.
Exercice 2 — ضعيفة أم قوية؟
كيّف: 1) خضوع المغاربة اليهود لقواعد الأحوال الشخصية العبرية بنص مدونة الأسرة؛ 2) جامعة رياضية دولية توقف لاعبا بسبب المنشطات؛ 3) جماعة قروية تحدد نوبة السقي دون نص رسمي؛ 4) شركتان من بلدين مختلفين تطبقان أعراف التجارة الدولية على عقدهما.
Voir le corrigé
- ضعيفة: الدولة هي التي تنظم التعددية. 2) قوية: نظام قانوني رياضي مستقل بقواعده وأجهزته وجزاءاته. 3) قوية: عرف محلي تنتجه الجماعة. 4) قوية: أعراف التجارة الدولية، وإن كان القاضي أو المحكم قد يعترف بها.
Exercice 3 — سؤال مقالي
اشرح في عشرة أسطر لماذا يحتل ظهير 16 ماي 1930 مكانة مهمة في تاريخ التعددية القانونية بالمغرب.
Voir le corrigé
نظم الظهير، في مناطق سميت مناطق العرف، قضاء عرفيا منفصلا عن قضاء القضاة الشرعيين، وأسند الزجر الجنائي إلى محاكم فرنسية. فقد حول تعددية واقعية (تعايش العرف والفقه) إلى فصل قانوني أرادته الإدارة الاستعمارية. ورأت فيه الحركة الوطنية محاولة لتفرقة المغاربة والمساس بوحدتهم الدينية والقانونية، فكانت التعبئة ضده (قراءة اللطيف في المساجد، العرائض) لحظة مؤسسة للوطنية الحديثة. ويبين الظهير أن التعددية القانونية ليست محايدة: قد تخدم سياسة معينة، ويفسر توحيد القانون بعد 1956 جزئيا بهذه الذاكرة.
الخلاصة — التعددية القانونية
- الأحادية: قانون واحد هو قانون الدولة (كلسن)؛ التعددية: تعايش أنظمة قانونية متعددة على الإقليم نفسه.
- المؤلفون: رومانو (1918، أنظمة المؤسسات)، غورفيتش (1932، القانون الاجتماعي)، إيرليخ، مالينوفسكي (1926)، مور (1973، الحقل شبه المستقل)، غريفيثس (1986).
- الضعيفة: تنظمها الدولة (أحوال شخصية مختلفة)؛ القوية: أنظمة مستقلة عن الدولة.
- المعيار: قاعدة وجهة وجزاء معترف بها.
- المغرب قبل 1912: الفقه المالكي والقضاة، الأعراف (إزرف، الجماعة، الألواح)، الأحوال الشخصية العبرية، الحرف (الأمين، المحتسب).
- الحماية: ظهير 16 ماي 1930 والتعبئة الوطنية.
- الاستقلال: التوحيد (قانون 1965)؛ المادة 2 من مدونة الأسرة.
- أراضي الجموع: ظهير 1919، حركة النساء السلاليات، القانون 62.17 (2019) والمساواة.
- التعددية اليوم: القواعد الخاصة، الدينية، العابرة للدول، الاقتصاد غير المهيكل.