تطبيق القانون وتفسيره
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- شرح قاعدة «لا يعذر أحد بجهله للقانون» وحدودها؛
- تحديد نطاق تطبيق القانون من حيث الأشخاص والمكان؛
- تطبيق مبدأ عدم رجعية القوانين واستثناءاته، وفكرة الأثر الفوري؛
- التمييز بين الإلغاء الصريح والإلغاء الضمني؛
- استعمال طرق تفسير النصوص القانونية.
4.1 العلم بالقانون
لا يصبح القانون ملزما إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية للمملكة (الفصل 6 والفصل 50 من الدستور). ويترتب على النشر افتراض علم الجميع بالقانون، وهو ما تعبر عنه قاعدة: لا يعذر أحد بجهله للقانون. وتنص مجموعة القانون الجنائي على هذه القاعدة صراحة: لا يسوغ لأحد أن يعتذر بجهل التشريع الجنائي (الفصل 2).
وتبرر هذه القاعدة بضرورة استقرار المعاملات: لو قبل الاحتجاج بالجهل، لاستطاع كل شخص أن يتهرب من القانون. لكنها افتراض لا يطابق الواقع دائما، فالقوانين كثيرة ومعقدة. لذلك يقبل الفقه بعض الاستثناءات المحدودة، كحالة القوة القاهرة التي تمنع وصول الجريدة الرسمية إلى منطقة معينة. كما يمكن في المادة المدنية، في حالات خاصة، الاحتجاج بالغلط في القانون لطلب إبطال عقد إذا كان هو السبب الوحيد أو الرئيسي للتعاقد، وفق ما يقضي به ظهير الالتزامات والعقود.
4.2 تطبيق القانون من حيث الأشخاص
الأصل أن القاعدة القانونية عامة تسري على جميع الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروطها. ومع ذلك، تخاطب بعض القواعد فئات محددة: التجار (مدونة التجارة)، الأجراء والمشغلين (مدونة الشغل)، الموظفين (النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية). ويحدد كل قانون نطاق تطبيقه. فمدونة الأسرة مثلا تسري على جميع المغاربة، وعلى اللاجئين، وعلى العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا، مع خضوع المغاربة اليهود لقواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية (المادة 2).
4.3 تطبيق القانون من حيث المكان
يتنازع تطبيق القانون في المكان مبدآن:
- مبدأ إقليمية القوانين: يطبق قانون الدولة على كل ما يقع داخل إقليمها، على المواطنين والأجانب معا. وهو الأصل في القانون الجنائي: يسري التشريع الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي والقانون الدولي (الفصل 10 من مجموعة القانون الجنائي)؛
- مبدأ شخصية القوانين: يتبع القانون الشخص أينما كان، فيطبق قانون الجنسية على المغربي ولو كان مقيما في الخارج. وهو الأصل في مسائل الأحوال الشخصية: يخضع المغربي المقيم في فرنسا لمدونة الأسرة في كثير من المسائل.
ويتولى القانون الدولي الخاص حل التنازع بين القوانين عندما تتضمن العلاقة عنصرا أجنبيا.
4.4 تطبيق القانون من حيث الزمان
عندما يصدر قانون جديد يلغي قانونا قديما، تطرح مسألة الوقائع التي بدأت في ظل القانون القديم واستمرت في ظل القانون الجديد. ويحكم هذه المسألة مبدآن:
تعريف — مبدأ عدم رجعية القوانين: لا يسري القانون الجديد على الوقائع والتصرفات التي تمت قبل نفاذه. وقد رفعه الدستور المغربي إلى مرتبة المبدأ الدستوري: «ليس للقانون أثر رجعي» (الفصل 6).
تعريف — مبدأ الأثر الفوري: يسري القانون الجديد فورا على الوقائع التي تقع بعد نفاذه، وعلى الآثار المستقبلية للمراكز القانونية التي نشأت قبله.
ويبرر عدم الرجعية بمتطلبات الأمن القانوني والعدالة: لا يعقل أن يحاسب الشخص بقاعدة لم تكن موجودة وقت تصرفه.
الاستثناءات من عدم الرجعية:
| الاستثناء | مضمونه |
|---|---|
| القانون الجنائي الأصلح للمتهم | إذا صدر قانون جديد أخف قبل صدور حكم نهائي، يطبق على الأفعال السابقة (الفصل 6 من مجموعة القانون الجنائي). أما القانون الجنائي الأشد فلا يطبق بأثر رجعي أبدا |
| القوانين التفسيرية | القانون الذي يقتصر على تفسير قانون سابق يندمج فيه ويطبق من تاريخ نفاذ القانون المفسر |
| النص الصريح على الرجعية | في غير المادة الجنائية، طرح الفقه إمكانية أن ينص المشرع على الرجعية لاعتبارات المصلحة العامة؛ ومنذ دستور 2011 أصبح مبدأ عدم الرجعية دستوريا، مما يجعل هذه الإمكانية محل نقاش وخاضعة لرقابة المحكمة الدستورية |
مثال تطبيقي. عقد كراء أبرم سنة 2015، ثم صدر سنة 2024 قانون جديد يغير شروط مراجعة السومة الكرائية. لا يمكن للقانون الجديد أن يعيد النظر في صحة العقد المبرم سنة 2015 (عدم الرجعية)، لكنه يمكن أن يطبق على مراجعة الكراء التي تتم بعد نفاذه (الأثر الفوري)، ما لم ينص على خلاف ذلك في أحكامه الانتقالية. لذلك تتضمن القوانين الحديثة غالبا مقتضيات انتقالية تحدد كيفية تطبيقها على الوضعيات القائمة.
4.5 إلغاء القانون
ينتهي العمل بالقاعدة القانونية بـالإلغاء، ولا يكون إلا بنص من الرتبة نفسها أو من رتبة أعلى:
- الإلغاء الصريح: ينص القانون الجديد صراحة على إلغاء القانون القديم أو بعض مقتضياته («تنسخ جميع المقتضيات المخالفة»)؛
- الإلغاء الضمني: يتضمن القانون الجديد قواعد تتعارض مع القانون القديم بحيث يستحيل الجمع بينهما، أو ينظم من جديد الموضوع الذي كان ينظمه القانون القديم.
ولا يلغى القانون بعدم الاستعمال: يبقى القانون ساريا ولو لم يطبق مدة طويلة.
4.6 تفسير القانون
تعريف — التفسير: تحديد المعنى الحقيقي للنص القانوني ونطاق تطبيقه، عندما يكون غامضا أو ناقصا أو متعارضا مع نص آخر.
أنواع التفسير بحسب مصدره: التفسير التشريعي (يصدر عن المشرع نفسه بقانون تفسيري، وهو ملزم)، التفسير القضائي (يقوم به القاضي عند الفصل في النزاع، ولا يلزم إلا أطرافه)، التفسير الفقهي (يقوم به الفقهاء، وليس ملزما).
طرق التفسير:
| الطريقة | مضمونها | مثال |
|---|---|---|
| التفسير اللفظي | الوقوف عند ألفاظ النص ومعناها اللغوي والاصطلاحي | معنى كلمة «المنقول» في ظهير الالتزامات والعقود |
| الاستنتاج بمفهوم المخالفة | إذا قرر النص حكما لحالة، فالحالة المخالفة لها حكم مخالف | «يمنع التدخين في الأماكن العمومية المغلقة» يفيد أنه غير ممنوع، بمقتضى هذا النص، في الأماكن المفتوحة |
| الاستنتاج من باب أولى | إذا ثبت الحكم لحالة، فإنه يثبت من باب أولى لحالة تتوفر فيها علة الحكم بشكل أقوى | إذا منع على القاصر بيع منقول ذي قيمة، فمن باب أولى يمنع عليه بيع عقار |
| القياس | إعطاء حالة لم يرد فيها نص حكم حالة منصوص عليها لاتحاد العلة | يمنع في المادة الجنائية لأنه يخالف مبدأ الشرعية (الفصل 3 من مجموعة القانون الجنائي) |
| التفسير الغائي | البحث عن الغاية التي توخاها المشرع من النص، بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية والمذكرة التقديمية | تفسير نصوص حماية المستهلك لصالح المستهلك |
4.7 حالة عملية: تطبيق مدونة الأسرة الجديدة سنة 2004
دخلت مدونة الأسرة حيز التنفيذ في فبراير 2004 وحلت محل مدونة الأحوال الشخصية. فكيف طبقت على الزيجات المبرمة قبلها؟ تطبيقا للمبادئ السابقة: صحة الزواج المبرم قبل 2004 تقدر وفق القانون القديم الذي أبرم في ظله، فلا يصبح باطلا لأنه لا يستوفي شرطا جديدا. أما آثار الزواج المستقبلية (حقوق الزوجين وواجباتهما، الطلاق الذي يقع بعد 2004) فتخضع للقانون الجديد بأثره الفوري. وقد تضمنت المدونة مقتضيات انتقالية، منها فتح أجل لسماع دعوى الزوجية بالنسبة للزيجات غير الموثقة، وهو أجل مدد عدة مرات. ويوضح هذا المثال أن عدم الرجعية والأثر الفوري يعملان معا، وأن المشرع ينظم الانتقال بنصوص صريحة.
4.8 المنهجية: حل مسألة تنازع القوانين في الزمان
- حدد تاريخ الواقعة أو التصرف، وتاريخ نفاذ القانون الجديد.
- حدد طبيعة المسألة: إنشاء مركز قانوني (يحكمه القانون القديم) أم آثار مستقبلية له (يحكمها القانون الجديد).
- تحقق من وجود مقتضيات انتقالية في القانون الجديد.
- إذا كانت المسألة جنائية، طبق قاعدة القانون الأصلح للمتهم.
- استخلص الحل.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الاعتقاد بأن الجهل بالقانون يعفي من تطبيقه.
- الخلط بين عدم الرجعية (الماضي) والأثر الفوري (المستقبل).
- تطبيق القانون الجنائي الأشد بأثر رجعي: هذا ممنوع مطلقا.
- الاعتقاد بأن عدم الاستعمال يلغي القانون.
- استعمال القياس في المادة الجنائية لتجريم فعل لم ينص عليه القانون.
Exercice 1 — تنازع القوانين في الزمان
- ارتكب «يوسف» في مارس 2024 فعلا يعاقب عليه القانون بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. وفي شتنبر 2024، قبل صدور حكم نهائي في قضيته، صدر قانون جديد يخفض العقوبة إلى غرامة فقط. أي قانون يطبق؟ ولماذا؟
- لو كان القانون الجديد قد شدد العقوبة إلى خمس سنوات، ما الحل؟
- أبرمت «ليلى» عقد بيع صحيحا في يناير 2023 وفق الشكل الذي كان مطلوبا آنذاك. وفي 2024 صدر قانون يشترط شكلا جديدا لهذا النوع من العقود تحت طائلة البطلان. هل يصبح عقدها باطلا؟
Voir le corrigé
1. القانون الأخف. يطبق القانون الجديد (الغرامة). فرغم أن الفعل ارتكب في ظل القانون القديم، فإن القانون الجنائي الأصلح للمتهم يطبق بأثر رجعي ما دام لم يصدر حكم نهائي (الفصل 6 من مجموعة القانون الجنائي). ويبرر ذلك بأن المجتمع لم يعد يرى ضرورة للعقوبة الأشد.
2. القانون الأشد. يطبق القانون القديم (من سنة إلى ثلاث سنوات)، لأن القانون الجنائي الأشد لا يطبق بأثر رجعي، تطبيقا لمبدأ الشرعية وعدم الرجعية (الفصل 6 من الدستور، والفصلان 3 و4 من مجموعة القانون الجنائي).
3. الشكل الجديد. لا يصبح العقد باطلا. فصحة العقد تقدر وفق القانون الساري وقت إبرامه: عقد «ليلى» صحيح لأنه احترم الشكل المطلوب في يناير 2023. وتطبيق الشرط الجديد عليه يعتبر تطبيقا رجعيا ممنوعا. أما العقود التي تبرم بعد نفاذ القانون الجديد فتخضع للشكل الجديد (الأثر الفوري).
Exercice 2 — الإلغاء الصريح أم الضمني؟
كيّف: 1) قانون جديد ينص على «نسخ القانون رقم ... المتعلق بـ...»؛ 2) قانون جديد يحدد سن الأهلية لممارسة نشاط في 21 سنة، بينما يحددها قانون سابق من الرتبة نفسها في 18 سنة دون أن ينص على نسخه؛ 3) قانون لم يطبق منذ ثلاثين سنة.
Voir le corrigé
- إلغاء صريح. 2) إلغاء ضمني: يستحيل الجمع بين النصين، فيطبق اللاحق. 3) لا إلغاء: القانون يبقى ساريا ما لم يلغ بنص، ولا يلغى بعدم الاستعمال.
Exercice 3 — طرق التفسير
ينص قانون محلي فرضي على أنه «يمنع دخول السيارات إلى الحديقة العمومية». حدد، باستعمال طرق التفسير، حكم: 1) الدراجات النارية؛ 2) المشاة؛ 3) سيارة إسعاف تتدخل لإنقاذ شخص داخل الحديقة.
Voir le corrigé
- الدراجة النارية: من باب أولى أو بالتفسير الغائي، إذا كانت غاية النص حماية رواد الحديقة من الضجيج والخطر، فهي ممنوعة. 2) المشاة: بمفهوم المخالفة، النص لا يمنعهم. 3) سيارة الإسعاف: التفسير الغائي يقتضي استثناءها، لأن غاية النص حماية الأشخاص، وتدخل الإسعاف يحقق الغاية نفسها. ويوضح المثال أن التفسير اللفظي وحده قد يؤدي إلى نتائج غير معقولة.
الخلاصة — تطبيق القانون وتفسيره
- القانون لا يلزم إلا بعد نشره؛ «لا يعذر أحد بجهله للقانون» (الفصل 2 من مجموعة القانون الجنائي)؛ الغلط في القانون في المادة المدنية (الفصل 40 ق.ل.ع).
- من حيث الأشخاص: قواعد عامة وقواعد لفئات؛ نطاق مدونة الأسرة (المادة 2).
- من حيث المكان: الإقليمية (القانون الجنائي، الفصل 10) والشخصية (الأحوال الشخصية)؛ القانون الدولي الخاص.
- من حيث الزمان: عدم الرجعية (الفصل 6 من الدستور) والأثر الفوري.
- الاستثناءات: القانون الجنائي الأصلح للمتهم (الفصل 6 ق.ج)، القوانين التفسيرية؛ المقتضيات الانتقالية.
- الإلغاء صريح أو ضمني، بنص من الرتبة نفسها أو أعلى؛ لا إلغاء بعدم الاستعمال.
- التفسير: تشريعي (ملزم)، قضائي، فقهي.
- طرقه: لفظي، مفهوم المخالفة، من باب أولى، القياس (ممنوع في التجريم، الفصل 3 ق.ج)، الغائي.