علم الاقتصاد: الموضوع والمفاهيم الأساسية والمنهج
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف علم الاقتصاد وتحديد موضوعه؛
- شرح المشكلة الاقتصادية: الحاجات والندرة والاختيار وتكلفة الفرصة البديلة؛
- التمييز بين أنواع السلع والأنشطة الاقتصادية الكبرى؛
- التمييز بين الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي، والاقتصاد الوضعي والمعياري؛
- فهم علاقة الاقتصاد بالقانون، وفائدة دراسته لطالب القانون.
1.1 تعريف علم الاقتصاد
كلمة «اقتصاد» في اللغة العربية تعني التوسط والاعتدال وعدم الإسراف. أما الكلمة الفرنسية والإنجليزية (Économie / Economy) فمشتقة من الإغريقية «أويكونوميا»، أي تدبير شؤون المنزل. وقد تطور المعنى من تدبير الأسرة إلى تدبير شؤون الدولة والمجتمع، فظهر مصطلح «الاقتصاد السياسي» مع أنطوان دي مونكريتيان سنة 1615.
تعريفات متعددة:
- تعريف الثروة: عرف آدم سميث (1776) الاقتصاد بأنه العلم الذي يبحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها، أي في كيفية إنتاج الثروة وتوزيعها؛
- تعريف الرفاهية: ركز ألفريد مارشال (1890) على دراسة الإنسان في حياته العادية، في سعيه لكسب دخله واستعماله لتحقيق الرفاهية المادية؛
- تعريف الندرة: قدم ليونيل روبنز (1932) التعريف الأكثر تداولا: الاقتصاد هو «العلم الذي يدرس السلوك الإنساني كعلاقة بين غايات متعددة ووسائل نادرة ذات استعمالات بديلة».
تعريف تركيبي: علم الاقتصاد هو علم اجتماعي يدرس كيفية قيام الأفراد والمقاولات والدولة بـإنتاج السلع والخدمات وتوزيعها واستهلاكها، في ظل موارد محدودة، من أجل إشباع حاجات متعددة ومتجددة.
1.2 المشكلة الاقتصادية: الحاجات والندرة والاختيار
الحاجات الإنسانية: الحاجة هي شعور بالحرمان يدفع الإنسان إلى البحث عن وسيلة لإزالته. ومن خصائصها أنها:
- متعددة ومتنوعة: حاجات فيزيولوجية (الأكل، الشرب، المسكن)، اجتماعية (التعليم، الصحة، الترفيه)، نفسية (الأمن، الاعتراف)؛ وقد رتبها أبراهام ماسلو في هرم من خمس درجات: الحاجات الفيزيولوجية، ثم الأمن، ثم الانتماء، ثم التقدير، ثم تحقيق الذات؛
- متجددة وغير محدودة: كلما أشبعت حاجة ظهرت أخرى؛ وتتطور مع التقدم التقني (الهاتف الذكي، الإنترنت)؛
- نسبية: تختلف حسب الأفراد والزمان والمكان والمستوى الاجتماعي؛
- قابلة للإشباع بشكل جزئي: تتناقص المنفعة الإضافية التي يحصل عليها الفرد من وحدة إضافية من السلعة (قانون تناقص المنفعة الحدية).
الندرة: الموارد المتاحة لإشباع الحاجات (الأرض، الماء، المواد الأولية، العمل، رأس المال، الوقت) محدودة بالنسبة إلى الحاجات. والندرة نسبية: فالماء وفير في بعض المناطق ونادر في أخرى؛ ويعاني المغرب من ندرة مائية متزايدة بسبب توالي سنوات الجفاف، مما دفع الدولة إلى برامج لتحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية.
الاختيار: لأن الموارد نادرة والحاجات غير محدودة، يجب على كل عون اقتصادي أن يختار: الأسرة تختار بين الادخار والاستهلاك، والمقاولة بين الاستثمار في آلة جديدة أو توظيف عمال، والدولة بين بناء مستشفى أو طريق سيار. وكل اختيار يعني التخلي عن بديل آخر.
تكلفة الفرصة البديلة (Coût d'opportunité): هي قيمة أفضل بديل تم التخلي عنه عند اتخاذ قرار. فالطالب الذي يخصص ساعتين لمراجعة دروس القانون يتخلى عن ساعتين من العمل المأجور أو الترفيه؛ والدولة التي تخصص ميزانية للدفاع تتخلى عن استعمالها في التعليم.
الأسئلة الاقتصادية الكبرى: تطرح الندرة على كل مجتمع ثلاثة أسئلة: ماذا ننتج؟ وبأي كمية؟ كيف ننتج؟ (بأي تقنية وبأي توليفة من العمل ورأس المال)؛ لمن ننتج؟ (كيف يوزع الإنتاج بين أفراد المجتمع). وتختلف الإجابة حسب النظام الاقتصادي: نظام السوق (الأسعار والمبادرة الخاصة)، نظام التخطيط المركزي (الدولة تقرر)، أو الاقتصاد المختلط الذي يجمع بين السوق وتدخل الدولة، وهو حال أغلب الدول اليوم بما فيها المغرب.
1.3 السلع والخدمات والأنشطة الاقتصادية
السلعة الاقتصادية: كل شيء نافع نادر يتطلب الحصول عليه مجهودا أو ثمنا؛ مقابل السلع الحرة المتوفرة بكثرة دون مقابل (الهواء، ضوء الشمس).
تصنيفات السلع:
- سلع مادية (الملابس، السيارات) وخدمات غير مادية (التعليم، النقل، الاستشارة القانونية)؛
- سلع استهلاكية تشبع الحاجات مباشرة، وسلع إنتاجية (أو تجهيزية) تستعمل لإنتاج سلع أخرى (الآلات، المباني)؛
- سلع وسيطة تتحول أو تستهلك في عملية الإنتاج (القمح بالنسبة للمخبزة، الكهرباء بالنسبة للمصنع)؛
- سلع معمرة تستعمل عدة مرات (الثلاجة) وغير معمرة تستهلك مرة واحدة (الغذاء)؛
- سلع خاصة وسلع عمومية (الدفاع، الإنارة العمومية) التي لا يمكن إقصاء أحد من الانتفاع بها، وتتولاها الدولة عادة.
الأنشطة الاقتصادية الكبرى:
- الإنتاج: خلق السلع والخدمات بتوليف عوامل الإنتاج: العمل، رأس المال، الموارد الطبيعية، وتضاف إليها التنظيم والمعرفة والتكنولوجيا؛
- التوزيع: توزيع الدخول الناتجة عن الإنتاج على من ساهموا فيه: الأجور للعمل، الأرباح للمقاولين، الفوائد لرأس المال، الريع للأرض؛ ثم إعادة التوزيع من طرف الدولة عبر الضرائب والتحويلات الاجتماعية؛
- الاستهلاك: استعمال السلع والخدمات لإشباع الحاجات؛
- الادخار والاستثمار: الجزء غير المستهلك من الدخل يدخر، ويمول الاستثمار الذي يزيد من القدرة الإنتاجية.
القطاعات الاقتصادية (حسب كولين كلارك): القطاع الأولي (الفلاحة، الصيد، المعادن، ومنها الفوسفاط في المغرب)، القطاع الثانوي (الصناعة، البناء، الطاقة، ومنها صناعة السيارات والطيران)، القطاع الثالث (الخدمات: التجارة، السياحة، البنوك، الإدارة). ومع التنمية، تنتقل اليد العاملة من القطاع الأولي إلى الثانوي ثم إلى الثالث.
1.4 فروع علم الاقتصاد ومناهجه
الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي:
- الاقتصاد الجزئي (Microéconomie): يدرس سلوك الوحدات الفردية: كيف يختار المستهلك بين السلع؟ كيف تحدد المقاولة كمية الإنتاج والسعر؟ كيف يتحدد السعر في سوق معينة؟
- الاقتصاد الكلي (Macroéconomie): يدرس الاقتصاد في مجمله من خلال مجاميع كبرى: الناتج الداخلي الإجمالي، النمو، البطالة، التضخم، الميزان التجاري، السياسات الاقتصادية؛ وقد تطور خاصة مع كينز في الثلاثينيات.
الاقتصاد الوضعي والاقتصاد المعياري:
- الاقتصاد الوضعي: يصف ويفسر ما هو كائن: «رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 10 في المائة يؤدي إلى زيادة تكاليف المقاولات»؛
- الاقتصاد المعياري: يقدم أحكاما حول ما يجب أن يكون: «يجب رفع الحد الأدنى للأجور لتحقيق العدالة الاجتماعية»؛ وهو يتضمن أحكاما قيمية تحتاج إلى نقاش ديمقراطي.
المنهج: يعتمد علم الاقتصاد على:
- الملاحظة وجمع المعطيات الإحصائية (المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، بنك المغرب)؛
- بناء نماذج مبسطة للواقع تقوم على فرضيات، منها فرضية «الإنسان الاقتصادي» (Homo œconomicus) العقلاني الذي يسعى إلى تعظيم منفعته أو ربحه؛ وشرط «مع بقاء الأشياء الأخرى على حالها» (Ceteris paribus) لعزل أثر متغير واحد؛
- الاستنباط (من المبادئ العامة إلى النتائج) والاستقراء (من الملاحظة إلى القوانين العامة)؛
- الاختبار التجريبي للنظريات بواسطة الاقتصاد القياسي.
حدود المنهج: الاقتصاد علم اجتماعي لا يستطيع إجراء تجارب مخبرية كالفيزياء؛ وسلوك الأفراد ليس دائما عقلانيا (الاقتصاد السلوكي)؛ والظواهر الاقتصادية تتأثر بعوامل سياسية وثقافية وتاريخية.
1.5 الاقتصاد والقانون
علاقة متبادلة:
- القانون يؤطر الاقتصاد: الملكية (الفصل 35 من الدستور يضمن حق الملكية وحرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر)، العقود (قانون الالتزامات والعقود)، الشركات (القوانين 5.96 و17.95)، الشغل (مدونة الشغل 65.99)، المنافسة (القانون 104.12)، الضرائب (المدونة العامة للضرائب)؛
- الاقتصاد يؤثر في القانون: تطور الاقتصاد يفرض قواعد جديدة (التجارة الإلكترونية، حماية المستهلك بالقانون 31.08، حماية المعطيات الشخصية)؛
- التحليل الاقتصادي للقانون: تيار فكري (ريتشارد بوزنر) يدرس القواعد القانونية من زاوية الفعالية وآثارها على سلوك الأفراد.
فائدة دراسة الاقتصاد لطالب القانون: فهم المالية العامة والميزانية، قانون الأعمال والشركات، القانون الاجتماعي، القانون الدولي الاقتصادي، والسياسات العمومية؛ كما يحتاج القاضي والمحامي والإداري إلى فهم الرهانات الاقتصادية للنزاعات والقرارات.
1.6 منهجية: تحليل وضعية اقتصادية
- حدد الأعوان المعنيين (أسرة، مقاولة، دولة).
- حدد الحاجة والموارد النادرة.
- حدد البدائل الممكنة وتكلفة الفرصة البديلة لكل منها.
- ميز بين ما هو وضعي (تفسير) وما هو معياري (حكم).
- حدد المستوى: جزئي (سلوك فردي) أو كلي (مجاميع وطنية).
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- الخلط بين الحاجة (شعور بالحرمان) والرغبة في سلعة معينة.
- اعتبار الندرة مطلقة: هي نسبية بالمقارنة مع الحاجات.
- نسيان تكلفة الفرصة البديلة عند تحليل قرار.
- الخلط بين الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي.
- تقديم حكم معياري على أنه حقيقة علمية.
Exercice 1 — المشكلة الاقتصادية
تتوفر جماعة قروية على ميزانية استثمار محدودة قدرها 10 ملايين درهم، وتتردد بين: (أ) بناء مستوصف، (ب) تعبيد طريق يربط الدواوير بالسوق الأسبوعي، (ج) إنجاز ثقب مائي وشبكة للماء الصالح للشرب. وتكلف كل عملية 10 ملايين درهم.
- ما هي المشكلة الاقتصادية المطروحة؟
- ما هي تكلفة الفرصة البديلة إذا اختارت الجماعة المشروع (ج)؟
- صنف المشاريع حسب نوع الحاجات التي تشبعها.
- هل قرار الاختيار وضعي أم معياري؟
Voir le corrigé
1. المشكلة الاقتصادية. تتمثل في الندرة: موارد مالية محدودة (10 ملايين درهم) أمام حاجات متعددة (الصحة، التنقل، الماء). وتفرض الندرة الاختيار بين المشاريع، لأن الجماعة لا تستطيع إنجازها كلها في الوقت نفسه.
2. تكلفة الفرصة البديلة. إذا اختارت الجماعة الماء الصالح للشرب، فإن تكلفة الفرصة البديلة هي قيمة أفضل مشروع تم التخلي عنه، أي المستوصف أو الطريق حسب المشروع الذي كانت الجماعة ستختاره في المرتبة الثانية؛ وليست مجموع المشروعين.
3. تصنيف الحاجات. (ج) الماء: حاجة فيزيولوجية أساسية (قاعدة هرم ماسلو)؛ (أ) المستوصف: حاجة إلى الأمن الصحي؛ (ب) الطريق: حاجة اقتصادية واجتماعية (الولوج إلى السوق والخدمات)، تسمح بزيادة دخل السكان. وقد يبرر هذا الترتيب اختيار الماء أولا.
4. طبيعة القرار. تحليل آثار كل مشروع (عدد المستفيدين، الأثر على الدخل والصحة) تحليل وضعي؛ أما قرار الاختيار النهائي فيتضمن أحكاما قيمية حول الأولويات، فهو معياري، ويتخذه المجلس الجماعي المنتخب بعد التشاور مع السكان.
Exercice 2 — صنف السلع
صنف: 1) آلة خياطة في ورشة للنسيج؛ 2) القماش المستعمل في الورشة نفسها؛ 3) الإنارة العمومية في شارع؛ 4) استشارة لدى محام؛ 5) هواء البحر.
Voir le corrigé
- سلعة إنتاجية (تجهيزية) معمرة. 2) سلعة وسيطة (استهلاك وسيط). 3) سلعة (خدمة) عمومية. 4) خدمة. 5) سلعة حرة.
Exercice 3 — وضعي أم معياري؟
- «ارتفع معدل البطالة لدى الشباب الحضري خلال الفصل الأخير». 2) «يجب على الدولة دعم سعر غاز البوتان». 3) «يؤدي ارتفاع سعر الوقود إلى ارتفاع تكاليف النقل». 4) «من العدل فرض ضريبة أعلى على الثروات الكبرى».
Voir le corrigé
- وضعي. 2) معياري. 3) وضعي. 4) معياري (حكم قيمي حول العدالة).
الخلاصة — علم الاقتصاد
- التعريفات: الثروة (آدم سميث 1776)، الرفاهية (مارشال 1890)، الندرة (روبنز 1932: علاقة بين غايات متعددة ووسائل نادرة ذات استعمالات بديلة)؛ «الاقتصاد السياسي» منذ مونكريتيان (1615).
- الحاجات: متعددة، متجددة، نسبية، قابلة للإشباع جزئيا؛ هرم ماسلو (فيزيولوجية، أمن، انتماء، تقدير، تحقيق الذات)؛ تناقص المنفعة الحدية.
- الندرة نسبية (الماء في المغرب) ← الاختيار ← تكلفة الفرصة البديلة = قيمة أفضل بديل تم التخلي عنه.
- الأسئلة الكبرى: ماذا ننتج؟ كيف؟ لمن؟ والجواب حسب النظام: السوق، التخطيط، الاقتصاد المختلط.
- السلع: اقتصادية وحرة؛ مادية وخدمات؛ استهلاكية وإنتاجية ووسيطة؛ معمرة وغير معمرة؛ خاصة وعمومية.
- الأنشطة: الإنتاج (العمل، رأس المال، الموارد الطبيعية، التنظيم)، التوزيع (الأجر، الربح، الفائدة، الريع) وإعادة التوزيع، الاستهلاك، الادخار والاستثمار؛ القطاعات الثلاثة (كلارك).
- الفروع: الجزئي (المستهلك، المقاولة، السوق) والكلي (الناتج، النمو، البطالة، التضخم)؛ الوضعي (ما هو كائن) والمعياري (ما يجب أن يكون).
- المنهج: الملاحظة والإحصاء، النماذج، الإنسان الاقتصادي، Ceteris paribus، الاستنباط والاستقراء، الاقتصاد القياسي؛ القانون يؤطر الاقتصاد (الفصل 35، القوانين 5.96 و17.95 و65.99 و104.12).