الأعمال التجارية
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- بيان أهمية التمييز بين العمل التجاري والعمل المدني؛
- شرح المعايير الفقهية لتحديد العمل التجاري؛
- تعداد الأنشطة التجارية الأصلية في المادة 6 من مدونة التجارة؛
- التمييز بين الأعمال التجارية بحسب الشكل والأعمال التجارية بالتبعية؛
- تحديد النظام المطبق على الأعمال المختلطة (المادة 4).
2.1 لماذا نكيف العمل بأنه تجاري؟
يترتب على وصف العمل بأنه تجاري نتائج قانونية مهمة:
- اكتساب صفة التاجر: من يمارس الأنشطة التجارية بصفة اعتيادية أو احترافية يصبح تاجرا (المادة 6)، فيخضع لالتزامات التجار؛
- الإثبات: حر في المادة التجارية (المادة 334)؛
- التقادم: خمس سنوات (المادة 5)؛
- التضامن: مفترض بين المدينين (الفصل 165 من ق.ل.ع)؛
- الاختصاص القضائي: المحاكم التجارية (القانون 53.95)؛
- صعوبات المقاولة: لا تطبق مساطرها إلا على التجار والشركات التجارية والحرفيين؛
- الفوائد: تجوز الفائدة في المعاملات التجارية، مع قيودها في القرض المدني بين المسلمين.
2.2 المعايير الفقهية للعمل التجاري
حاول الفقه إيجاد معيار عام يميز العمل التجاري، ومن أهم المعايير:
- معيار المضاربة (قصد الربح): العمل التجاري هو العمل الذي يقصد به تحقيق الربح؛ لكنه معيار واسع، لأن المهن الحرة والفلاحة تقصد الربح أيضا دون أن تكون تجارية؛
- معيار التداول: العمل التجاري هو الذي يتعلق بتداول الثروات والسلع بين المنتج والمستهلك؛ فالشراء من أجل البيع تجاري، أما الإنتاج الفلاحي الأصلي فليس كذلك؛
- معيار المقاولة (المشروع): العمل التجاري هو الذي يمارس في إطار مقاولة منظمة، أي تكرار العمل بشكل احترافي مع تنظيم الوسائل المادية والبشرية؛ وقد أخذت به مدونة التجارة في عدد من الأنشطة («استغلال...»)؛
- معيار الحرفة: العمل يكون تجاريا إذا قام به التاجر في إطار حرفته. ولم تتبن مدونة التجارة معيارا واحدا، بل عددت الأنشطة التجارية، مع ترك الباب مفتوحا للقياس (المادة 8).
2.3 الأعمال التجارية الأصلية (المواد 6 و7 و8)
تنص المادة 6 على أن صفة التاجر تكتسب بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية للأنشطة الآتية، ومن أهمها:
- شراء المنقولات المادية أو المعنوية بنية بيعها بذاتها أو بعد تهيئتها بهيئة أخرى أو بقصد تأجيرها؛
- اكتراء المنقولات بقصد إكرائها من الباطن؛
- شراء العقارات بنية بيعها على حالها أو بعد تغييرها؛
- التنقيب عن المناجم والمقالع واستغلالها؛
- النشاط الصناعي أو الحرفي؛
- النقل؛
- البنك والقرض والعمليات المالية؛
- عمليات التأمين بقسط ثابت؛
- السمسرة والوكالة بالعمولة وغيرهما من أعمال الوساطة؛
- استغلال المستودعات والمخازن العمومية؛
- الطباعة والنشر بجميع أشكالهما ودعائمهما؛
- البناء والأشغال العمومية؛
- مكاتب ووكالات الأعمال والأسفار والإعلام والإشهار؛
- التزويد بالمواد والخدمات؛
- تنظيم الملاهي العمومية؛
- البيع بالمزاد العلني؛
- توزيع الماء والكهرباء والغاز؛
- البريد والمواصلات.
المادة 7: تكتسب صفة التاجر أيضا بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية للأنشطة المتعلقة بالتجارة البحرية والجوية: بناء السفن والطائرات وشراؤها وبيعها، النقل البحري والجوي، بيع أدوات السفن، الإرساليات البحرية، تأجير السفن، القروض البحرية.
المادة 8: تكتسب صفة التاجر كذلك بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية لكل نشاط يمكن أن يماثل الأنشطة الواردة في المادتين 6 و7. فالقائمة مفتوحة للقياس، ويقدر القضاء مدى التماثل (مثلا: استغلال موقع للتجارة الإلكترونية، تنظيم المعارض).
الأنشطة المستبعدة: لا تعتبر تجارية في الأصل:
- الأنشطة الفلاحية: بيع الفلاح لمنتوجات أرضه وماشيته، ما لم يتحول إلى نشاط صناعي منظم (تحويل الحليب بطريقة صناعية مثلا)؛
- المهن الحرة: الطب والمحاماة والهندسة المعمارية والتوثيق، التي تخضع لقوانين خاصة وتقوم على الطابع الفكري والشخصي؛
- الإنتاج الفكري: المؤلف الذي يبيع كتابه أو الفنان الذي يبيع لوحاته؛
- الشراء للاستهلاك الشخصي.
شرط الاعتياد أو الاحتراف: العمل المعزول (شراء سيارة مرة واحدة لإعادة بيعها) يمكن أن يكون عملا تجاريا بطبيعته، لكنه لا يجعل صاحبه تاجرا؛ فالصفة تقتضي التكرار المنتظم أو اتخاذ النشاط حرفة.
2.4 الأعمال التجارية بحسب الشكل (المادة 9)
تنص المادة 9 على أنه يعد عملا تجاريا، بصرف النظر عن المادتين 6 و7، أي كيفما كانت صفة القائم به أو الغرض منه:
- الكمبيالة: توقيع الكمبيالة عمل تجاري ولو كان الموقع غير تاجر وكانت الكمبيالة لغرض مدني؛
- السند لأمر الموقع ولو من غير التاجر، إذا ترتب في هذه الحالة عن معاملة تجارية؛ وتضاف إليهما الشركات التجارية بحسب الشكل، التي تقرر صفتها التجارية النصوص الخاصة بها لا المادة 9: شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسؤولية المحدودة (القانون 5.96)، وشركة المساهمة وشركة المساهمة المبسطة (القانون 17.95، المادة الأولى)؛ فهي تجارية بحسب شكلها أيا كان غرضها، ولو كانت تمارس نشاطا فلاحيا أو مدنيا. وتبرر هذه القاعدة بحاجة الأمن القانوني: فالمتعامل يعرف النظام المطبق بالنظر إلى الشكل وحده.
الشيك: لا يعتبر الشيك عملا تجاريا بحسب الشكل في القانون المغربي، بل يأخذ طبيعة المعاملة التي أنشئ من أجلها؛ وتخضع أحكامه مع ذلك لمدونة التجارة.
2.5 الأعمال التجارية بالتبعية (المادة 10)
تنص المادة 10 على أنه تعد كذلك أعمالا تجارية الوقائع والأعمال التي يقوم بها التاجر بمناسبة تجارته، ما لم يثبت خلاف ذلك. فالعمل الذي يكون مدنيا بطبيعته (شراء سيارة، اقتناء أثاث، اكتراء محل، تشغيل أجير) يصبح تجاريا بالتبعية إذا قام به التاجر لحاجات تجارته:
- شراء التاجر لشاحنة لنقل بضاعته؛
- اكتراء محل لممارسة التجارة؛
- اقتراض مبلغ لتمويل نشاطه؛
- بل وحتى الالتزامات غير التعاقدية المرتبطة بالتجارة (المسؤولية عن حادث سببته شاحنة المقاولة، المنافسة غير المشروعة).
القرينة: يفترض أن كل أعمال التاجر مرتبطة بتجارته، وعلى من يدعي العكس أن يثبت أن العمل يتعلق بحاجاته الشخصية أو العائلية (شراء ملابس لأولاده). وتسمى أيضا نظرية التبعية الشخصية. وتوجد كذلك التبعية الموضوعية: يأخذ العمل المدني الطابع التجاري إذا كان تابعا لعمل تجاري رئيسي (الكفالة لضمان دين تجاري في بعض الحالات).
2.6 الأعمال المختلطة (المادة 4)
العمل المختلط هو العمل الذي يكون تجاريا بالنسبة لأحد الطرفين ومدنيا بالنسبة للطرف الآخر، كالبيع الذي يبرمه تاجر مع مستهلك، أو شراء تاجر لمنتوج فلاحي من فلاح.
النظام القانوني (المادة 4): إذا كان العمل تجاريا بالنسبة لأحد المتعاقدين ومدنيا بالنسبة للمتعاقد الآخر، طبقت قواعد القانون التجاري في مواجهة الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه تجاريا، ولا يمكن أن يواجه بها الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه مدنيا، ما لم ينص مقتضى خاص على خلاف ذلك. وبعبارة أخرى:
- الإثبات: يطبق ضد التاجر الإثبات الحر، وضد غير التاجر قواعد الإثبات المدنية؛
- الاختصاص: لغير التاجر الخيار بين المحكمة التجارية والمحكمة الابتدائية، والتاجر لا يقاضي غير التاجر إلا أمام المحكمة الابتدائية (القانون 53.95)، ما لم يتفق على خلاف ذلك؛
- التقادم: تطبق المادة 5 (خمس سنوات) على الالتزامات الناشئة بين التجار أو بينهم وبين غير التجار بمناسبة عمل تجاري؛
- التضامن: لا يفترض في مواجهة غير التاجر.
قانون حماية المستهلك (31.08): يحمي غير التاجر (المستهلك) في علاقته بالمورد المهني، ويضيف حقوقا خاصة: الإعلام، منع الشروط التعسفية، حق التراجع، الضمان.
2.7 منهجية: تكييف العمل في أربعة أسئلة
- هل العمل تجاري بحسب الشكل (كمبيالة طبقا للمادة 9، أو شركة تجارية بحسب الشكل طبقا للقانونين 5.96 و17.95)؟ إذا كان الجواب نعم، فهو تجاري أيا كان القائم به.
- هل العمل نشاط من الأنشطة المذكورة في المواد 6 و7 و8؟ وهل يمارس بصفة اعتيادية أو احترافية؟
- هل قام به تاجر لحاجات تجارته (المادة 10)؟
- هل العمل تجاري بالنسبة للطرفين أم مختلط (المادة 4)؟ وما هي النتائج بالنسبة للإثبات والاختصاص والتقادم؟
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- اعتبار الفلاح تاجرا لمجرد بيعه منتوجه: النشاط الفلاحي مدني في الأصل.
- اعتبار العمل المعزول كافيا لاكتساب صفة التاجر: يجب الاعتياد أو الاحتراف.
- نسيان أن الكمبيالة عمل تجاري بحسب الشكل ولو وقعها غير تاجر لغرض مدني.
- اعتبار الشيك عملا تجاريا بحسب الشكل.
- تطبيق قواعد القانون التجاري على الطرف المدني في العمل المختلط.
Exercice 1 — عمليات عائلة التازي
- السيد التازي، صاحب ضيعة بمكناس، يبيع كل سنة محصول زيتونه لمعصرة.
- أنشأ ابنه كريم معصرة زيتون صناعية يشتري فيها الزيتون من الفلاحين ويبيع الزيت للمتاجر.
- ابنته سلمى طبيبة، اشترت جهاز أشعة لعيادتها.
- وقعت زوجته كمبيالة لفائدة نجار صنع أثاث منزلها.
- اشترى كريم سيارة للاستعمال العائلي، وأخرى لتوزيع الزيت.
- أسس أفراد العائلة شركة ذات مسؤولية محدودة لاستغلال الضيعة الفلاحية.
كيف كل عملية وحدد النتائج.
Voir le corrigé
1. بيع الزيتون. بيع الفلاح لمحصول أرضه نشاط فلاحي مدني، ولا يدخل في «شراء المنقولات بنية بيعها» لأنه لم يشتر الزيتون. فالعمل مدني، والسيد التازي ليس تاجرا. وبيعه للمعصرة عمل مختلط: مدني بالنسبة له، تجاري بالنسبة للمعصرة.
2. المعصرة الصناعية. يشتري كريم الزيتون بنية بيعه بعد تحويله إلى زيت، ويمارس نشاطا صناعيا بصفة احترافية (المادة 6، البندان 1 و5). فأعماله تجارية أصلية، وهو تاجر، يخضع لالتزامات التجار (السجل التجاري، المحاسبة).
3. جهاز الأشعة. سلمى تمارس مهنة حرة (الطب)، وهي ليست تاجرة. وشراء الجهاز لعيادتها عمل مدني، لأن نظرية التبعية (المادة 10) لا تطبق إلا على التجار. والبيع مع المورد التاجر عمل مختلط.
4. الكمبيالة. توقيع الكمبيالة عمل تجاري بحسب الشكل (المادة 9)، ولو كانت الموقعة غير تاجرة وكان الغرض مدنيا (أثاث المنزل). فيخضع التزامها الصرفي لقواعد الكمبيالة في مدونة التجارة، ويختص بالنزاع المتعلق بها القضاء التجاري. لكنها لا تصبح تاجرة بذلك.
5. السيارتان. كريم تاجر: يفترض أن أعماله مرتبطة بتجارته (المادة 10). فشراء سيارة التوزيع عمل تجاري بالتبعية. أما السيارة العائلية، فإذا أثبت أنها لحاجاته الشخصية، يكون شراؤها عملا مدنيا؛ وعليه عبء إثبات ذلك.
6. الشركة الفلاحية. الشركة ذات المسؤولية المحدودة تجارية بحسب الشكل (القانون 5.96)، أيا كان غرضها، ولو كان فلاحيا. فتكتسب الشركة صفة التاجر، وتخضع للسجل التجاري والمحاسبة ومساطر صعوبات المقاولة، رغم أن نشاطها في ذاته مدني.
Exercice 2 — تجاري أم مدني؟
- شراء شخص شقة ليسكنها؛ 2) شراء منعش عقاري أرضا ليبني عليها شققا ويبيعها؛ 3) محام يكتري مكتبا؛ 4) تاجر أثاث يقترض من بنك لتجهيز متجره؛ 5) شركة مساهمة تستغل مدرسة خاصة.
Voir le corrigé
- مدني: شراء للاستعمال الشخصي. 2) تجاري أصلي: شراء عقار بنية بيعه بعد تغييره، والبناء (المادة 6). 3) مدني: مهنة حرة. 4) تجاري بالتبعية (المادة 10). 5) تجاري بحسب الشكل: شركة المساهمة تجارية أيا كان غرضها (القانون 17.95).
Exercice 3 — العمل المختلط
اشترى مستهلك ثلاجة من متجر للأجهزة المنزلية، ثم ظهر بها عيب. بين القواعد المطبقة في الإثبات والاختصاص، والحماية الخاصة بالمستهلك.
Voir le corrigé
البيع عمل مختلط: تجاري بالنسبة للمتجر، مدني بالنسبة للمستهلك (المادة 4). يستطيع المستهلك إثبات الشراء ضد التاجر بكل الوسائل، أما التاجر فتطبق عليه قواعد الإثبات المدنية إذا احتج ضد المستهلك. وللمستهلك الخيار بين المحكمة الابتدائية والمحكمة التجارية. ويستفيد من ضمان العيوب الخفية في ق.ل.ع ومن الحماية التي يقررها القانون 31.08 (الإعلام، الضمان، منع الشروط التعسفية).
الخلاصة — الأعمال التجارية
- أهمية التكييف: صفة التاجر، الإثبات الحر، تقادم 5 سنوات، التضامن المفترض، المحاكم التجارية، صعوبات المقاولة.
- المعايير الفقهية: المضاربة، التداول، المقاولة، الحرفة؛ المدونة تعدد الأنشطة وتسمح بالقياس.
- المادة 6: 18 نشاطا، أهمها شراء المنقولات أو العقارات بنية بيعها، الصناعة والحرف، النقل، البنك والتأمين، الوساطة، الطباعة والنشر، البناء، الخدمات، المزاد العلني.
- المادة 7: التجارة البحرية والجوية؛ المادة 8: الأنشطة المماثلة.
- الاعتياد أو الاحتراف شرط لاكتساب صفة التاجر؛ مستبعد: الفلاحة، المهن الحرة، الإنتاج الفكري، الشراء للاستهلاك.
- بحسب الشكل (المادة 9): الكمبيالة أيا كان الموقع، والسند لأمر إذا ترتب عن معاملة تجارية؛ والشركات التجارية بحسب الشكل بمقتضى القانونين 5.96 و17.95؛ الشيك ليس عملا تجاريا بحسب الشكل.
- بالتبعية (المادة 10): أعمال التاجر بمناسبة تجارته، مع قرينة قابلة لإثبات العكس؛ التبعية الموضوعية.
- المختلطة (المادة 4): القانون التجاري يطبق على الطرف التاجر فقط؛ خيار المحكمة لغير التاجر؛ حماية المستهلك (31.08).