مدخل إلى القانون التجاري: مفهومه وخصائصه ومصادره
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف القانون التجاري وتحديد نطاقه؛
- شرح خصائص المادة التجارية: السرعة والائتمان والإثبات الحر؛
- تتبع تطور التشريع التجاري المغربي إلى مدونة التجارة (القانون 15.95)؛
- ترتيب مصادر القانون التجاري، ومكانة العرف والعادات التجارية؛
- تحديد المحكمة المختصة بالنزاعات التجارية (القانون 53.95).
1.1 تعريف القانون التجاري ونطاقه
القانون التجاري فرع من فروع القانون الخاص، يتضمن مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الأعمال التجارية والتجار في ممارستهم لنشاطهم المهني. وهو يستقل عن القانون المدني (قانون الالتزامات والعقود) الذي يبقى الشريعة العامة: فكلما لم يجد القاضي حلا في النصوص التجارية، رجع إلى قواعد ق.ل.ع.
ويتنازع تحديد نطاق القانون التجاري معياران:
- المعيار الموضوعي (المادي): القانون التجاري هو قانون الأعمال التجارية، أيا كان الشخص الذي يقوم بها، تاجرا أو غير تاجر؛ فمن وقع كمبيالة يخضع للقانون التجاري ولو لم يكن تاجرا؛
- المعيار الشخصي (الذاتي): القانون التجاري هو قانون التجار، أي المهنيين الذين يتخذون من التجارة حرفة. وقد أخذت مدونة التجارة المغربية بمزيج من المعيارين، مع ترجيح المعيار الموضوعي المرتبط بالنشاط: فهي تعدد الأنشطة التجارية (المادة 6)، وتعرف التاجر بأنه من يمارس هذه الأنشطة بصفة اعتيادية أو احترافية.
ويتسع مفهوم القانون التجاري اليوم ليشمل قانون الأعمال: قانون الشركات، قانون المنافسة، قانون صعوبات المقاولة، القانون البنكي، قانون الملكية الصناعية، قانون البورصة. وتدرس هذه الفروع في مواد لاحقة (قانون الشركات في S4، وقانون الأعمال في السداسيات المتقدمة).
1.2 خصائص المادة التجارية
تتميز التجارة بحاجات خاصة تبرر قواعد مختلفة عن القواعد المدنية:
السرعة: تقوم التجارة على تكرار الصفقات بسرعة، ولذلك:
- تتحرر المادة التجارية من كثير من الشكليات؛
- الإثبات حر في المادة التجارية: يجوز إثبات العقود التجارية بجميع وسائل الإثبات، بما فيها شهادة الشهود والقرائن والمراسلات، دون التقيد بحد العشرة آلاف درهم المنصوص عليه في الفصل 443 من ق.ل.ع (المادة 334 من مدونة التجارة)، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك؛
- التقادم قصير: تتقادم الالتزامات الناشئة بمناسبة عمل تجاري بين التجار، أو بينهم وبين غير التجار، بمضي خمس سنوات، ما لم توجد مقتضيات خاصة مخالفة (المادة 5)، بدلا من خمس عشرة سنة في القانون المدني.
الائتمان (الثقة): تقوم التجارة على القرض وتأجيل الأداء، ولذلك يحمي القانون الدائنين:
- التضامن مفترض بين المدينين في الالتزامات التجارية (الفصل 165 من ق.ل.ع)، خلافا للمادة المدنية؛
- الأوراق التجارية (الكمبيالة، السند لأمر، الشيك) أدوات للوفاء والائتمان، تخضع لقواعد صارمة تحمي الحامل (الفصلان السادس والسابع من هذه الدروس)؛
- مساطر صعوبات المقاولة (الكتاب الخامس من مدونة التجارة) تنظم معالجة توقف المقاولة عن الدفع وحماية الدائنين، وتحل محل نظام الإفلاس القديم.
الإشهار: يحتاج المتعاملون إلى معرفة وضعية التاجر، ولذلك يفرض القانون التقييد في السجل التجاري ونشر المعلومات المتعلقة بالتاجر والشركات (الفصل الثالث).
الطابع الدولي: التجارة عابرة للحدود، ولذلك تتأثر قواعدها بـالاتفاقيات الدولية (اتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع، اتفاقيات جنيف للأوراق التجارية) وبـالأعراف الدولية (مصطلحات «الإنكوترمز» لغرفة التجارة الدولية).
1.3 تطور التشريع التجاري المغربي
- قبل الحماية: كانت المعاملات التجارية تخضع لأحكام الفقه الإسلامي (البيوع، الشركات، الصرف، السفاتج والحوالة) ولأعراف التجار في المدن والأسواق؛
- عهد الحماية: صدر ظهير 12 غشت 1913 بمثابة القانون التجاري، مستوحى من القانون التجاري الفرنسي لسنة 1807، إلى جانب ق.ل.ع؛ وصدرت نصوص خاصة (ظهير 31 دجنبر 1914 بشأن بيع ورهن الأصل التجاري، ظهير 24 ماي 1955 بشأن الكراء التجاري)؛
- مدونة التجارة الحالية: صدر القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة بظهير 1 غشت 1996، ودخل حيز التنفيذ سنة 1997. وهو يتكون من خمسة كتب:
- التاجر (الأعمال التجارية، الأهلية، المحاسبة، السجل التجاري)؛
- الأصل التجاري؛
- الأوراق التجارية (الكمبيالة، السند لأمر، الشيك)؛
- العقود التجارية (الحساب البنكي، الوكالة التجارية، السمسرة، الوكالة بالعمولة، النقل، الرهن...)؛
- صعوبات المقاولة، الذي عدل بعمق بالقانون 73.17 سنة 2018.
- نصوص مكملة: القانون 5.96 المتعلق بالشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات التضامن وغيرها، القانون 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، القانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي (2016)، القانون 114.13 المتعلق بنظام المقاول الذاتي (2015)، القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
1.4 مصادر القانون التجاري
المصادر الرسمية:
- التشريع: الدستور (الفصل 35: حرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر)، الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، مدونة التجارة، النصوص الخاصة، ثم قانون الالتزامات والعقود بوصفه الشريعة العامة؛
- العرف والعادات التجارية: تنص المادة 2 من مدونة التجارة على أنه يفصل في المسائل التجارية بمقتضى القوانين والأعراف والعادات التجارية أو بمقتضى القانون المدني ما لم تتعارض قواعده مع المبادئ الأساسية للقانون التجاري؛ وتنص المادة 3 على أن العادات والأعراف الخاصة والمحلية مقدمة على العادات والأعراف العامة. فللعرف مكانة أهم في القانون التجاري منها في القانون المدني، ويمكن أن يكمل النص، بل وأن يقدم على القواعد المكملة للقانون المدني.
ترتيب التطبيق: يطبق القاضي في المادة التجارية: النصوص التجارية الآمرة، ثم الاتفاق، ثم الأعراف والعادات التجارية (الخاصة والمحلية قبل العامة)، ثم قواعد ق.ل.ع ما لم تتعارض مع مبادئ القانون التجاري.
المصادر التفسيرية: الاجتهاد القضائي (قرارات محكمة النقض ومحاكم الاستئناف التجارية) والفقه، وهما يلعبان دورا مهما في تفسير مدونة التجارة.
1.5 القضاء التجاري
المحاكم التجارية: أحدثت بالقانون 53.95 (1997) المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية (بالدار البيضاء وفاس ومراكش). وتختص المحاكم التجارية، حسب المادة 5 من هذا القانون، بالنظر في:
- الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية؛
- الدعاوى التي تنشأ بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية؛
- الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية؛
- النزاعات الناشئة بين شركاء في شركة تجارية؛
- النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية؛
- مساطر صعوبات المقاولة.
الأعمال المختلطة: إذا كان العمل تجاريا بالنسبة لأحد الطرفين ومدنيا بالنسبة للآخر، فإن الطرف المدني (غير التاجر) يمكنه أن يختار رفع دعواه أمام المحكمة التجارية أو أمام المحكمة الابتدائية، أما التاجر فلا يرفع الدعوى ضد غير التاجر إلا أمام المحكمة الابتدائية، ما لم يتفق على خلاف ذلك. ويجوز الاتفاق على التحكيم (القانون 95.17).
تنظيم المحاكم التجارية ودرجاتها مدروس بتفصيل في مادة التنظيم القضائي (S4).
1.6 منهجية: تحديد القاعدة والقاضي في نزاع تجاري
- كيف العمل: هل هو عمل تجاري بالنسبة للطرفين أو لأحدهما فقط (الفصل الثاني)؟
- حدد صفة الأطراف: تاجر أم غير تاجر (الفصل الثالث)؟
- حدد القواعد المطبقة: مدونة التجارة، النصوص الخاصة، الأعراف، ثم ق.ل.ع.
- حدد قواعد الإثبات والتقادم: إثبات حر، تقادم خمس سنوات (المادتان 334 و5).
- حدد المحكمة المختصة: المحكمة التجارية أو الابتدائية، مع مراعاة خيار الطرف المدني والتحكيم.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- القول إن القانون التجاري مستقل تماما عن ق.ل.ع: ق.ل.ع يبقى الشريعة العامة.
- تطبيق حد العشرة آلاف درهم لشهادة الشهود في المادة التجارية: الإثبات حر (المادة 334).
- تطبيق التقادم المدني (15 سنة) على الالتزامات التجارية: الأصل خمس سنوات (المادة 5).
- نسيان مكانة العرف التجاري، وتقديم الأعراف الخاصة والمحلية على العامة (المادة 3).
- القول إن التاجر يستطيع مقاضاة غير التاجر أمام المحكمة التجارية دائما.
Exercice 1 — نزاع شركة «أطلس للحوامض»
باعت شركة «أطلس للحوامض» ش.م (شركة مساهمة بأكادير) إلى السيد البركاني، فلاح غير تاجر، أسمدة بثمن 80.000 درهم لم يؤده. ولا تملك الشركة إلا مراسلات إلكترونية ورسائل نصية تثبت الطلبية. كما باعت للشركة التجارية «سوس للتوزيع» بضاعة بثمن 300.000 درهم منذ ست سنوات ولم تطالب بالثمن إلى الآن.
- ما هي القواعد المطبقة على كل عملية؟
- هل يمكن للشركة إثبات دين السيد البركاني بالمراسلات والرسائل النصية؟
- أمام أي محكمة ترفع دعواها في كل حالة؟
- هل تقادم دين «سوس للتوزيع»؟
Voir le corrigé
1. القواعد المطبقة. شركة المساهمة تاجرة بحسب الشكل (المادة الأولى من القانون 17.95)، وأعمالها تجارية. فالبيع للسيد البركاني عمل مختلط: تجاري بالنسبة للشركة، ومدني بالنسبة للفلاح الذي يشتري لحاجات نشاطه الفلاحي. أما البيع لـ«سوس للتوزيع» فهو عمل تجاري بالنسبة للطرفين. ويطبق في الحالتين القانون التجاري مع الرجوع إلى ق.ل.ع عند الاقتضاء.
2. الإثبات. في الأعمال المختلطة، تطبق قواعد الإثبات حسب صفة الطرف المحتج عليه: فالشركة تريد الإثبات ضد الفلاح غير التاجر، فتخضع في الأصل لقواعد الإثبات المدنية بالنسبة إليه، حيث تشترط الكتابة فيما يتجاوز 10.000 درهم (الفصل 443 من ق.ل.ع). غير أن الوثائق الإلكترونية والمراسلات المكتوبة يمكن أن تعتبر حججا كتابية أو بداية حجة كتابية وفق شروط القانون 53.05 (التعرف على الشخص الصادرة عنه وحفظ سلامتها). فيمكن للشركة الاعتماد عليها، مع تقدير القاضي لقيمتها. أما ضد الشركة التاجرة، فالإثبات حر.
3. المحكمة المختصة. في البيع للفلاح، يجوز لغير التاجر أن يختار المحكمة التجارية أو الابتدائية، أما التاجر فلا يرفع الدعوى ضد غير التاجر إلا أمام المحكمة الابتدائية ما لم يتفق على خلاف ذلك. فترفع الشركة دعواها أمام المحكمة الابتدائية لموطن السيد البركاني. أما النزاع مع «سوس للتوزيع» فهو بين تاجرين ويتعلق بأعمالهما التجارية: تختص به المحكمة التجارية (المادة 5 من القانون 53.95)، إذا تجاوز المبلغ الحد الأدنى للاختصاص القيمي.
4. التقادم. الالتزام ناشئ عن عمل تجاري بين تاجرين: يتقادم بخمس سنوات (المادة 5 من مدونة التجارة). وقد مرت ست سنوات دون مطالبة، فإذا لم يقع أي انقطاع (مطالبة، اعتراف، أداء جزئي)، يكون الدين قد تقادم، شريطة أن تتمسك به «سوس للتوزيع». ويبقى الدين التزاما طبيعيا.
Exercice 2 — صحيح أم خطأ
- لا يرجع القاضي إلى ق.ل.ع في المادة التجارية. 2) يتقادم دين تجاري بين تاجرين بخمس عشرة سنة. 3) يمكن إثبات عقد تجاري بين تاجرين بشهادة الشهود ولو تجاوز 10.000 درهم. 4) العرف المحلي مقدم على العرف العام في المادة التجارية. 5) التضامن مفترض بين التجار في التزاماتهم التجارية.
Voir le corrigé
- خطأ: ق.ل.ع شريعة عامة. 2) خطأ: خمس سنوات (المادة 5). 3) صحيح: الإثبات حر (المادة 334). 4) صحيح (المادة 3). 5) صحيح (الفصل 165 من ق.ل.ع).
Exercice 3 — أي محكمة؟
- نزاع بين شريكين في شركة ذات مسؤولية محدودة حول توزيع الأرباح؛ 2) دعوى تاجر ضد زبون غير تاجر لأداء ثمن بضاعة؛ 3) دعوى حامل كمبيالة ضد الساحب؛ 4) فتح مسطرة التسوية القضائية لشركة متوقفة عن الدفع.
Voir le corrigé
- المحكمة التجارية (نزاع بين الشركاء). 2) المحكمة الابتدائية، لأن التاجر لا يقاضي غير التاجر أمام المحكمة التجارية إلا باتفاق. 3) المحكمة التجارية (الأوراق التجارية). 4) المحكمة التجارية (صعوبات المقاولة).
الخلاصة — مدخل إلى القانون التجاري
- القانون التجاري: فرع من القانون الخاص ينظم الأعمال التجارية والتجار؛ ق.ل.ع شريعة عامة.
- المعيار الموضوعي (الأعمال) والمعيار الشخصي (التجار)؛ مدونة التجارة تمزج بينهما وتعدد الأنشطة (المادة 6).
- السرعة: تخفيف الشكليات، الإثبات الحر (المادة 334)، تقادم خمس سنوات (المادة 5).
- الائتمان: التضامن مفترض (الفصل 165 من ق.ل.ع)، الأوراق التجارية، صعوبات المقاولة (الكتاب الخامس، القانون 73.17).
- الإشهار: السجل التجاري؛ الطابع الدولي: اتفاقيات وأعراف (الإنكوترمز).
- التطور: الفقه الإسلامي والأعراف → ظهير 12 غشت 1913 → القانون 15.95 (ظهير 1 غشت 1996، نفاذ 1997) بخمسة كتب.
- نصوص مكملة: 5.96 و17.95 (الشركات)، 49.16 (الكراء التجاري)، 114.13 (المقاول الذاتي)، 104.12 (المنافسة).
- المصادر: التشريع (الفصل 35 من الدستور)، الأعراف والعادات (المادة 2؛ الخاصة والمحلية مقدمة على العامة، المادة 3)، ثم ق.ل.ع؛ الاجتهاد والفقه.
- المحاكم التجارية (القانون 53.95): العقود التجارية، النزاعات بين التجار، الأوراق التجارية، الشركاء، الأصول التجارية، صعوبات المقاولة؛ خيار غير التاجر في العمل المختلط.