سويسرا: النظام المديري والديمقراطية شبه المباشرة
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تقديم الاتحاد السويسري وتطوره من الكونفدرالية إلى الفيدرالية؛
- تحليل الجمعية الاتحادية والمجلس الاتحادي؛
- شرح خصائص النظام المديري؛
- فهم ديمقراطية التوافق و«الصيغة السحرية»؛
- تقديم آليات الديمقراطية شبه المباشرة: الاستفتاء والمبادرة الشعبية؛
- تقييم مزايا النموذج السويسري وحدوده.
6.1 الاتحاد السويسري
التطور التاريخي: نشأت سويسرا سنة 1291 بتحالف ثلاثة كانتونات (أوري، شفيتس، أونترفالدن) ضد هيمنة آل هابسبورغ، ثم توسع هذا التحالف تدريجيا. وظلت سويسرا كونفدرالية فضفاضة إلى غاية الحرب الأهلية القصيرة (حرب السوندربوند، 1847)، التي أدت إلى دستور 1848 الذي حولها إلى دولة فيدرالية رغم احتفاظها باسم «الكونفدرالية السويسرية». وعرف الدستور مراجعة شاملة سنة 1874، ثم دستورا جديدا سنة 1999 دخل حيز التنفيذ في فاتح يناير 2000.
الخصائص:
- 26 كانتونا (منها ستة «أنصاف كانتونات» تاريخيا)، لكل منها دستورها وبرلمانها وحكومتها ومحاكمها؛
- التعددية اللغوية والدينية: أربع لغات وطنية (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، الرومانشية)، وتعايش بين الكاثوليك والبروتستانت؛ مما فرض نظاما يقوم على التوافق وحماية الأقليات؛
- الحياد الدائم المعترف به دوليا منذ مؤتمر فيينا (1815)؛
- الاستقلال الواسع للكانتونات: يحتفظ كل كانتون بكل الاختصاصات غير المسندة صراحة إلى الاتحاد (الفصل 3 من الدستور)، وتملك الكانتونات استقلالا ضريبيا واسعا؛
- الجماعات المحلية (حوالي 2100 جماعة) تتمتع بدورها باستقلال حقيقي.
6.2 الجمعية الاتحادية
الجمعية الاتحادية هي السلطة العليا في الاتحاد، مع مراعاة حقوق الشعب والكانتونات (الفصل 148)، وتتكون من مجلسين متساويين تماما في السلطة:
- المجلس الوطني: 200 عضو يمثلون الشعب، منتخبين لمدة أربع سنوات بالتمثيل النسبي، وتوزع المقاعد بين الكانتونات حسب عدد السكان؛
- مجلس الولايات: 46 عضوا يمثلون الكانتونات (عضوان لكل كانتون، وعضو واحد لكل نصف كانتون)، تنتخبهم الكانتونات حسب قواعدها الخاصة، غالبا بالاقتراع المباشر.
المساواة بين المجلسين: يجب أن يوافق المجلسان على كل قانون بالصيغة نفسها؛ وفي حالة الخلاف، تنظم مسطرة للتوفيق، فإذا فشلت يسقط المشروع.
الصلاحيات: التشريع، الميزانية، المصادقة على المعاهدات، انتخاب أعضاء المجلس الاتحادي والقضاة الاتحاديين والمستشار الاتحادي، والجنرال في حالة الحرب، إضافة إلى الرقابة على الحكومة والإدارة. وتجتمع الغرفتان في جمعية اتحادية موحدة لممارسة الانتخابات.
برلمان «الميليشيا»: البرلمانيون السويسريون يمارسون مهنهم إلى جانب ولايتهم البرلمانية، ويجتمع البرلمان في أربع دورات سنوية لمدة ثلاثة أسابيع؛ وهي تقاليد تعكس قرب المؤسسات من المواطنين، رغم أن المهنية تتزايد.
6.3 المجلس الاتحادي: سلطة تنفيذية جماعية
المجلس الاتحادي (Conseil fédéral) هو الحكومة السويسرية، ويتكون من سبعة أعضاء تنتخبهم الجمعية الاتحادية لمدة أربع سنوات بعد كل انتخابات تشريعية، ويمكن إعادة انتخابهم دون حد؛ وغالبا ما يبقى العضو في منصبه لعدة ولايات.
الطابع الجماعي: يتخذ المجلس قراراته بشكل جماعي (الفصل 177)، ويتولى كل عضو رئاسة قسم (وزارة)، لكنه يدافع علنا عن القرارات الجماعية حتى لو عارضها داخل المجلس (مبدأ الزمالة).
رئيس الاتحاد: تنتخبه الجمعية الاتحادية من بين أعضاء المجلس الاتحادي لمدة سنة واحدة غير قابلة للتجديد المباشر، ويتناوب الأعضاء على هذا المنصب. ولا يملك أي سلطة خاصة: هو الأول بين متساوين (Primus inter pares)، يرأس الجلسات ويمثل سويسرا في الخارج. ولذلك لا يوجد رئيس دولة بالمعنى التقليدي في سويسرا: فالمجلس الاتحادي بأكمله يمارس هذه الوظيفة.
6.4 نظام مديري
ينتمي النظام السويسري إلى صنف الأنظمة المديرية (Régime directorial)، المستمد اسمه من حكومة المديرين الفرنسية (1795-1799)، وهو صيغة خاصة من نظام الجمعية:
- السلطة التنفيذية تنتخبها الجمعية، وتعتبر نظريا خاضعة لها، تنفذ قراراتها؛
- لا توجد مسؤولية سياسية للمجلس الاتحادي: لا تستطيع الجمعية إسقاطه خلال ولايته؛
- لا يملك المجلس الاتحادي حق حل الجمعية؛
- إذا رفضت الجمعية أو الشعب مشروعا حكوميا، لا يستقيل المجلس الاتحادي، بل ينفذ إرادة الأغلبية.
الواقع: رغم هذه التبعية النظرية، يتمتع المجلس الاتحادي باستقرار كبير ونفوذ حقيقي بفضل خبرته واستمراريته وتحكمه في الإدارة وإعداد مشاريع القوانين؛ فهو ليس مجرد منفذ، بل محرك للسياسة الاتحادية. وتقترب العلاقة بين السلطتين من التعاون أكثر من التبعية.
6.5 ديمقراطية التوافق و«الصيغة السحرية»
ديمقراطية التوافق (Konkordanzdemokratie): بدلا من منطق الأغلبية والمعارضة البريطاني، يقوم النظام السويسري على إشراك كل القوى السياسية الكبرى في الحكم، والتفاوض المستمر للوصول إلى حلول مقبولة من الجميع. وقد فرض ذلك التنوع اللغوي والديني والجهوي، وخطر الاستفتاء الذي يجعل كل قانون عرضة للرفض الشعبي إذا لم يحظ بقبول واسع.
«الصيغة السحرية»: منذ 1959 إلى 2003، توزعت المقاعد السبعة في المجلس الاتحادي بشكل ثابت بين الأحزاب الأربعة الكبرى: 2-2-2-1 (الليبراليون الراديكاليون، الديمقراطيون المسيحيون، الاشتراكيون، ثم حزب الشعب السويسري بمقعد واحد). وبعد صعود حزب الشعب السويسري (اليمين المحافظ)، تغيرت الصيغة سنة 2003 لتمنحه مقعدين، ولا يزال التوزيع يتطور حسب نتائج الانتخابات مع الحفاظ على مبدأ تمثيل الأحزاب الكبرى. كما يراعى في الاختيار التوازن اللغوي والجهوي (أعضاء من سويسرا الناطقة بالفرنسية والإيطالية).
النتيجة: غياب معارضة منظمة بالمعنى البرلماني؛ إذ تمارس المعارضة أساسا عبر الاستفتاء والمبادرة الشعبية.
6.6 الديمقراطية شبه المباشرة
تعد سويسرا أكثر دول العالم استعمالا لآليات الديمقراطية المباشرة، حيث يدعى المواطنون إلى التصويت عدة مرات في السنة على المستوى الاتحادي والكانتوني والمحلي.
الاستفتاء الإجباري: يعرض وجوبا على الشعب والكانتونات (أغلبية مزدوجة): كل مراجعة للدستور، والانضمام إلى منظمات الأمن الجماعي أو المجموعات فوق الوطنية (الفصل 140). وقد رفض الشعب والكانتونات سنة 1992 الانضمام إلى المجال الاقتصادي الأوروبي، وصادقوا سنة 2002 على الانضمام إلى الأمم المتحدة.
الاستفتاء الاختياري: يمكن لـ50 ألف مواطن أو ثمانية كانتونات أن يطلبوا، خلال 100 يوم من نشر قانون اتحادي، عرضه على التصويت الشعبي (الفصل 141)؛ ويكفي لرفضه أغلبية الشعب. ويعمل هذا الاستفتاء كـفيتو شعبي على القوانين.
المبادرة الشعبية: يمكن لـ100 ألف مواطن خلال 18 شهرا أن يقترحوا مراجعة جزئية أو كلية للدستور (الفصول 138 و139)؛ ويجب أن تحصل على الأغلبية المزدوجة للشعب والكانتونات. ومن أمثلتها: منع بناء المآذن (2009)، تقييد الهجرة الجماعية (2014)، منع إخفاء الوجه في الأماكن العامة (2021)؛ ورفضت مبادرات كثيرة مثل الدخل الأساسي غير المشروط (2016). وقد يقدم البرلمان مشروعا مضادا.
على مستوى الكانتونات: لا تزال بعض الكانتونات الصغيرة (أبنزل الداخلية، غلاروس) تعرف جمعية الشعب (Landsgemeinde)، حيث يجتمع المواطنون في ساحة عامة للتصويت برفع الأيدي على القوانين وانتخاب المسؤولين.
6.7 مزايا النموذج وحدوده
المزايا:
- استقرار سياسي كبير، وتجنب الصراعات بين المجموعات اللغوية والدينية؛
- مشاركة مواطنة واسعة وقرب المؤسسات من الشعب؛
- إدماج كل القوى السياسية الكبرى؛
- احترام التنوع والأقليات بفضل الفيدرالية.
الحدود:
- بطء اتخاذ القرار بسبب البحث الدائم عن التوافق وتهديد الاستفتاء؛
- ضعف نسبة المشاركة في الاستفتاءات (غالبا أقل من 50 في المائة)؛
- تأثير المجموعات المنظمة والممولة على نتائج الحملات؛
- التوتر بين الديمقراطية المباشرة وحماية حقوق الأقليات أو الالتزامات الدولية (مبادرة المآذن)، في غياب محكمة دستورية تراقب القوانين الاتحادية: فالمحكمة الاتحادية لا تستطيع إلغاء قانون اتحادي (الفصل 190)؛
- صعوبة نقل النموذج إلى دول أخرى، لارتباطه بتاريخ سويسرا وثقافتها وصغر حجمها.
6.8 منهجية: تحليل النموذج السويسري
- انطلق من التنوع اللغوي والديني والفيدرالية.
- حلل العلاقة بين الجمعية الاتحادية والمجلس الاتحادي: انتخاب دون مسؤولية ولا حل.
- أبرز الطابع الجماعي للسلطة التنفيذية وغياب رئيس الدولة التقليدي.
- اشرح التوافق و«الصيغة السحرية».
- حلل الديمقراطية شبه المباشرة كوسيلة للتوازن والمعارضة.
- قيم النموذج وقابلية نقله.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- القول إن سويسرا كونفدرالية بالمعنى القانوني: هي دولة فيدرالية منذ 1848.
- اعتبار رئيس الاتحاد رئيسا للدولة يملك سلطات خاصة: هو الأول بين متساوين لمدة سنة.
- الخلط بين الاستفتاء الاختياري (ضد قانون) والمبادرة الشعبية (مراجعة الدستور).
- اعتبار المجلس الاتحادي مسؤولا سياسيا أمام الجمعية الاتحادية.
- نسيان شرط الأغلبية المزدوجة (الشعب والكانتونات) في المراجعات الدستورية.
Exercice 1 — حالة عملية
صوتت الجمعية الاتحادية السويسرية على قانون يرفع سن التقاعد. وتعارضه نقابات عمالية، وتريد كذلك إدراج «حق في التقاعد في سن 62» في الدستور. ما هي الوسائل المتاحة لها؟ وما هي شروط نجاحها؟ وماذا سيحدث للمجلس الاتحادي إذا رفض الشعب القانون؟
Voir le corrigé
1. الطعن في القانون: الاستفتاء الاختياري. يمكن للنقابات جمع 50 ألف توقيع خلال 100 يوم من نشر القانون (الفصل 141)، أو إقناع ثمانية كانتونات بطلب الاستفتاء. ويعرض القانون على الشعب، ويكفي لرفضه أغلبية المصوتين، دون اشتراط أغلبية الكانتونات. فإذا رفض، لا يدخل القانون حيز التنفيذ.
2. إدراج حق جديد في الدستور: المبادرة الشعبية. يجب جمع 100 ألف توقيع خلال 18 شهرا (الفصل 139)، ثم يعرض النص على التصويت، ويجب أن يحصل على الأغلبية المزدوجة: أغلبية الشعب وأغلبية الكانتونات. ويمكن للجمعية الاتحادية أن تقترح مشروعا مضادا يعرض في الوقت نفسه.
3. مصير المجلس الاتحادي. في النظام المديري، لا يملك الشعب ولا الجمعية وسيلة لإسقاط المجلس الاتحادي خلال ولايته؛ وإذا رفض الشعب القانون، لا يستقيل المجلس الاتحادي، بل يأخذ النتيجة بعين الاعتبار ويعد مشروعا جديدا. وهذا ما يميز سويسرا عن النظام البرلماني حيث قد يؤدي فشل حكومي كبير إلى الاستقالة.
خلاصة: تمارس المعارضة في سويسرا عبر الأدوات الشعبية أكثر من البرلمان، مما يفرض على الحكومة البحث المسبق عن التوافق.
Exercice 2 — أي أداة شعبية؟
- مواطنون يريدون منع قانون اتحادي صوت عليه البرلمان؛ 2) مواطنون يريدون إدراج حق جديد في الدستور؛ 3) البرلمان يصوت على مراجعة للدستور؛ 4) الحكومة تقترح الانضمام إلى منظمة للأمن الجماعي.
Voir le corrigé
- الاستفتاء الاختياري (50 ألف توقيع خلال 100 يوم). 2) المبادرة الشعبية (100 ألف توقيع خلال 18 شهرا). 3) الاستفتاء الإجباري بالأغلبية المزدوجة. 4) الاستفتاء الإجباري (الفصل 140).
Exercice 3 — صحيح أم خطأ
- سويسرا كونفدرالية بالمعنى القانوني. 2) رئيس الاتحاد ينتخب لسنة واحدة. 3) يمكن للجمعية الاتحادية إسقاط المجلس الاتحادي بملتمس رقابة. 4) يتساوى المجلسان في الجمعية الاتحادية. 5) تراقب المحكمة الاتحادية دستورية القوانين الاتحادية وتلغيها.
Voir le corrigé
- خطأ: دولة فيدرالية منذ 1848 رغم الاسم. 2) صحيح. 3) خطأ: لا مسؤولية سياسية. 4) صحيح. 5) خطأ: الفصل 190 يلزمها بتطبيق القوانين الاتحادية.
الخلاصة — سويسرا
- التاريخ: تحالف 1291، كونفدرالية إلى 1848 (دولة فيدرالية)، مراجعة 1874، دستور 1999 (نافذ 2000)؛ 26 كانتونا، أربع لغات، الحياد (1815).
- الجمعية الاتحادية: السلطة العليا (الفصل 148)؛ المجلس الوطني (200، نسبي، 4 سنوات) ومجلس الولايات (46)، مساواة تامة؛ تنتخب المجلس الاتحادي والقضاة؛ برلمان «الميليشيا».
- المجلس الاتحادي: 7 أعضاء تنتخبهم الجمعية لـ4 سنوات؛ جماعي (الفصل 177)، مبدأ الزمالة؛ رئيس الاتحاد لسنة واحدة، الأول بين متساوين؛ لا رئيس دولة تقليدي.
- النظام المديري: انتخاب دون مسؤولية ولا حل؛ لا استقالة عند رفض مشروع؛ استقرار ونفوذ فعلي للمجلس الاتحادي.
- ديمقراطية التوافق: إشراك كل القوى الكبرى؛ الصيغة السحرية (2-2-2-1، 1959-2003) وتطورها بعد صعود حزب الشعب؛ توازن لغوي وجهوي؛ غياب معارضة برلمانية منظمة.
- الاستفتاء الإجباري (140): مراجعة الدستور، الانضمام لمنظمات فوق وطنية، بالأغلبية المزدوجة؛ رفض المجال الاقتصادي الأوروبي (1992)، الانضمام للأمم المتحدة (2002).
- الاستفتاء الاختياري (141): 50 ألف مواطن أو 8 كانتونات خلال 100 يوم، فيتو شعبي؛ المبادرة الشعبية (139): 100 ألف توقيع خلال 18 شهرا لمراجعة الدستور (المآذن 2009، الهجرة 2014)؛ جمعية الشعب في بعض الكانتونات.
- التقييم: الاستقرار والمشاركة والإدماج، مقابل البطء، ضعف المشاركة، تأثير المجموعات، التوتر مع حقوق الأقليات، غياب رقابة دستورية على القوانين الاتحادية (190)، صعوبة النقل.