فرنسا: الجمهورية الخامسة، نظام شبه رئاسي
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- شرح ظروف نشأة الجمهورية الخامسة وأهدافها؛
- تحليل مكانة رئيس الجمهورية وطريقة انتخابه وصلاحياته؛
- تقديم الحكومة والبرلمان وتقنيات البرلمانية المعقلنة؛
- فهم الممارسة: الرئاسوية الأغلبية والتعايش؛
- تقديم المجلس الدستوري والمسألة الأولوية للدستورية؛
- ربط النموذج الفرنسي بالدستور المغربي.
4.1 نشأة الجمهورية الخامسة
أزمة الجمهورية الرابعة (1946-1958): عانت الجمهورية الرابعة من عدم استقرار حكومي مزمن (حوالي 24 حكومة في 12 سنة)، بسبب التمثيل النسبي والتعددية الحزبية المفرطة وهيمنة البرلمان (نظام الأحزاب)، وعجزها عن حل الأزمة الجزائرية. وفي ماي 1958، أدى تمرد الجيش في الجزائر إلى استدعاء الجنرال دوغول، الذي حصل على تفويض لإعداد دستور جديد.
دستور 4 أكتوبر 1958: صادق عليه الشعب الفرنسي بالاستفتاء (حوالي 80 في المائة)، وصاغه ميشيل دوبري وفق أفكار دوغول المعبر عنها في خطاب بايو (1946): سلطة تنفيذية قوية يقودها رئيس الدولة «فوق الأحزاب»، وبرلمان مقيد في صلاحياته.
المراجعات الكبرى:
- 1962: انتخاب الرئيس بالاقتراع العام المباشر بعد استفتاء بادر به دوغول، وهو منعطف حاسم في تعزيز مكانة الرئيس؛
- 1974: توسيع حق إحالة القوانين على المجلس الدستوري إلى 60 نائبا أو 60 شيخا، مما منح المعارضة وسيلة فعالة؛
- 2000: تقليص الولاية الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات (Quinquennat)، وتزامنها مع الولاية التشريعية؛
- 2008: مراجعة واسعة لتعزيز البرلمان، تحديد الولايات الرئاسية في ولايتين متتاليتين، إحداث المسألة الأولوية للدستورية، المدافع عن الحقوق.
4.2 رئيس الجمهورية
الانتخاب: ينتخب الرئيس لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام المباشر في دورتين (الفصل 7): يفوز المرشح الذي يحصل على الأغلبية المطلقة في الدورة الأولى، وإلا تنظم دورة ثانية بين المرشحين الأولين. ويمنحه هذا الانتخاب شرعية شعبية مباشرة تفوق شرعية رئيس الوزراء.
الدور (الفصل 5): يسهر على احترام الدستور، ويضمن بتحكيمه السير المنتظم للسلطات العمومية واستمرارية الدولة، وهو ضامن الاستقلال الوطني والوحدة الترابية واحترام المعاهدات.
السلطات الخاصة (لا تحتاج إلى التوقيع بالعطف، الفصل 19):
- تعيين رئيس الوزراء (الفصل 8)، دون أن يستطيع إقالته نصا (لكن العرف في فترات التوافق سمح له بطلب استقالته)؛
- اللجوء إلى الاستفتاء (الفصل 11) باقتراح من الحكومة أو البرلمان؛
- حل الجمعية الوطنية (الفصل 12)، بعد استشارة رئيس الوزراء ورئيسي المجلسين، ولا يمكن حلها مرة أخرى قبل سنة؛
- السلطات الاستثنائية (الفصل 16) في حالة التهديد الخطير والفوري للمؤسسات أو استقلال الأمة، طبقت مرة واحدة سنة 1961؛
- التعيين في المجلس الدستوري (ثلاثة أعضاء من بينهم الرئيس)، وإحالة القوانين عليه.
السلطات المشتركة (تحتاج إلى التوقيع بالعطف): تعيين الوزراء باقتراح من رئيس الوزراء، رئاسة مجلس الوزراء، إصدار القوانين، توقيع المراسيم والأوامر، التعيين في الوظائف العليا المدنية والعسكرية، القيادة العليا للقوات المسلحة، التفاوض على المعاهدات.
عدم المسؤولية: الرئيس غير مسؤول سياسيا أمام البرلمان؛ ولا يمكن عزله إلا من طرف البرلمان المنعقد كمحكمة عليا في حالة «إخلال بواجباته يتنافى بشكل واضح مع ممارسة ولايته» (الفصل 68، صيغة 2007).
4.3 الحكومة
التكوين: يرأسها رئيس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية، ويقترح عليه تعيين الوزراء. ويمنع الجمع بين الوظيفة الحكومية وعضوية البرلمان (الفصل 23)، تعزيزا لاستقلال الحكومة.
الصلاحيات (الفصلان 20 و21): «تحدد الحكومة سياسة الأمة وتديرها»، وتتصرف في الإدارة والقوة المسلحة؛ ويدير رئيس الوزراء عمل الحكومة، ويضمن تنفيذ القوانين، ويمارس السلطة التنظيمية (مراسيم)، وهو مسؤول عن الدفاع الوطني.
المسؤولية أمام الجمعية الوطنية (الفصل 49):
- مسألة الثقة على البرنامج أو إعلان السياسة العامة (الفقرة 1)؛
- ملتمس الرقابة (الفقرة 2): يوقعه عُشر النواب على الأقل، ولا يقبل إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء الجمعية، ولا تحتسب إلا الأصوات المؤيدة؛
- الفقرة 3 من الفصل 49: يستطيع رئيس الوزراء أن يربط مسؤولية الحكومة بالتصويت على نص، فيعتبر النص مصادقا عليه ما لم يصوت على ملتمس رقابة؛ وقد قيد استعمالها منذ 2008 بنص واحد في كل دورة إضافة إلى القوانين المالية وقوانين تمويل الضمان الاجتماعي.
4.4 البرلمان والبرلمانية المعقلنة
التكوين: الجمعية الوطنية (577 نائبا، منتخبين لمدة خمس سنوات بالاقتراع الفردي الأغلبي في دورتين)، ومجلس الشيوخ (348 شيخا، منتخبين بالاقتراع غير المباشر لمدة ست سنوات، يمثل الجماعات الترابية). وللجمعية الوطنية الكلمة الأخيرة في حالة الخلاف (الفصل 45)، وهي وحدها التي تستطيع إسقاط الحكومة.
البرلمانية المعقلنة: مجموعة تقنيات دستورية تهدف إلى حماية الحكومة من البرلمان وضمان الاستقرار:
- تحديد مجال القانون (الفصل 34) على سبيل الحصر، وكل ما عداه يدخل في المجال التنظيمي (الفصل 37)؛ وهو ابتكار فرنسي نقله الدستور المغربي (الفصلان 71 و72)؛
- الأوامر (الفصل 38): تفويض البرلمان للحكومة اتخاذ تدابير من مجال القانون؛
- تحكم الحكومة في جدول الأعمال (خففته مراجعة 2008)؛
- عدم قبول المقترحات والتعديلات التي تخفض الموارد أو تزيد التكاليف العمومية (الفصل 40)؛
- التصويت المغلق (الفصل 44، الفقرة 3): تصويت واحد على النص كله مع التعديلات التي تقبلها الحكومة فقط؛
- شروط صارمة لملتمس الرقابة والفقرة 3 من الفصل 49؛
- المجلس الدستوري كحارس لتوزيع الاختصاص بين القانون والتنظيم.
4.5 الممارسة: الرئاسوية الأغلبية والتعايش
الرئاسوية الأغلبية: عندما تكون الأغلبية البرلمانية موالية للرئيس، يصبح الرئيس الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية: يختار رئيس الوزراء ويطلب استقالته، يحدد السياسة العامة، ويتحول رئيس الوزراء إلى منفذ لبرنامجه. ويتجاوز الرئيس بذلك النص الذي يمنح الحكومة سلطة تحديد السياسة. وتلك هي الممارسة الغالبة منذ 1962، خاصة بعد الولاية الخماسية (2000) وتنظيم الانتخابات التشريعية بعد الرئاسية مباشرة.
التعايش (Cohabitation): عندما تفرز الانتخابات التشريعية أغلبية معارضة للرئيس، يضطر الرئيس إلى تعيين رئيس وزراء من هذه الأغلبية؛ فتعود الحكومة إلى ممارسة سلطة تحديد سياسة الأمة طبقا للفصل 20، ويحتفظ الرئيس بسلطاته الخاصة وبمجال «محفوظ» في الدفاع والسياسة الخارجية. وقد عرفت فرنسا ثلاث فترات تعايش: 1986-1988 (ميتران وشيراك)، 1993-1995 (ميتران وبالادور)، 1997-2002 (شيراك وجوسبان).
غياب الأغلبية المطلقة: منذ الانتخابات التشريعية لسنتي 2022 و2024، لم يعد للرئيس أغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية، مما أدى إلى حكومات أقلية واللجوء المكثف إلى الفقرة 3 من الفصل 49، وإلى إسقاط حكومة بملتمس رقابة في دجنبر 2024 لأول مرة منذ 1962؛ وهي مرحلة تكشف هشاشة النظام عندما تغيب الأغلبية.
لذلك يقال إن الجمهورية الخامسة نظام «ذو قراءتين»: قراءة رئاسية في حالة التوافق، وقراءة برلمانية في حالة التعايش. وقد سماه موريس دوفرجيه «نظاما شبه رئاسي».
4.6 المجلس الدستوري
التكوين: تسعة أعضاء لولاية من تسع سنوات غير قابلة للتجديد، يعين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ ثلاثة لكل منهم؛ إضافة إلى رؤساء الجمهورية السابقين كأعضاء بحكم القانون.
الصلاحيات: مراقبة دستورية القوانين، مراقبة صحة الانتخابات الرئاسية والتشريعية والاستفتاءات، الرأي في تطبيق الفصل 16.
تطور دوره:
- 1958: أنشئ أساسا لحماية مجال التنظيم من تجاوزات البرلمان («مدفع موجه ضد البرلمان»)؛
- قرار 16 يوليوز 1971 (حرية الجمعيات): أدمج ديباجة دستور 1958 وما تحيل عليه (إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789، ديباجة 1946) في الكتلة الدستورية، وأصبح حاميا للحقوق والحريات؛
- 1974: حق الإحالة للمعارضة (60 نائبا أو شيخا)؛
- 2008-2010: المسألة الأولوية للدستورية (QPC، الفصل 61-1): يمكن لكل متقاض أن يدفع أمام القاضي بأن قانونا ساري المفعول يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، فتحال المسألة بعد تصفية من مجلس الدولة أو محكمة النقض على المجلس الدستوري الذي يمكنه إلغاء القانون.
4.7 فرنسا والمغرب: تأثير واضح
تأثر الدستور المغربي منذ 1962 بالنموذج الفرنسي للجمهورية الخامسة: تحديد مجال القانون (الفصل 71 حاليا) والمجال التنظيمي (الفصل 72)، ملتمس الرقابة بشروط صارمة، المجلس الدستوري (1992) الذي حل محله المحكمة الدستورية سنة 2011، والدفع بعدم الدستورية (الفصل 133) المستلهم من المسألة الأولوية للدستورية. غير أن الفرق الجوهري يكمن في طبيعة رئيس الدولة: ملك وراثي يستمد مشروعيته من التاريخ والدين والدستور، لا رئيس منتخب، مع حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع (الفصل 47).
4.8 منهجية: تحليل الجمهورية الخامسة
- انطلق من السياق: أزمة الجمهورية الرابعة وإرادة الاستقرار.
- حلل النص: ثنائية السلطة التنفيذية، البرلمانية المعقلنة، المجلس الدستوري.
- أدخل المراجعات: 1962، 1974، 2000، 2008.
- حلل الممارسة: الرئاسوية، التعايش، غياب الأغلبية.
- كيف: نظام شبه رئاسي ذو قراءتين، يتوقف على الأغلبية البرلمانية.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- اعتبار فرنسا نظاما رئاسيا: الحكومة مسؤولة أمام الجمعية الوطنية والرئيس يملك حق الحل.
- القول إن الرئيس يستطيع إقالة رئيس الوزراء نصا: ذلك عرف في فترات التوافق فقط.
- نسيان أن ملتمس الرقابة يتطلب الأغلبية المطلقة لأعضاء الجمعية.
- الخلط بين المجلس الدستوري ومجلس الدولة.
- إهمال تأثير الانتخابات التشريعية على ميزان القوى داخل السلطة التنفيذية.
Exercice 1 — الموضوع الإنشائي
«رئيس الجمهورية في فرنسا: حكم أم رئيس فعلي للسلطة التنفيذية؟» — ضع تصميما مفصلا لهذا الموضوع.
Voir le corrigé
المقدمة. ينص الفصل 5 من دستور 1958 على أن الرئيس يضمن بـتحكيمه السير المنتظم للسلطات العمومية، بينما يسند الفصل 20 إلى الحكومة تحديد سياسة الأمة. لكن الممارسة جعلت الرئيس في الغالب الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية. الإشكالية: هل يمكن التوفيق بين صورة الحكم في النص وصورة القائد في الممارسة؟
I. الحكم: صورة النص.
- A. مهمة تحكيمية وضامنة (الفصل 5): احترام الدستور، استمرارية الدولة، الاستقلال الوطني.
- B. سلطات خاصة ذات طابع تحكيمي: الاستفتاء، الحل، إحالة القوانين على المجلس الدستوري، الفصل 16؛ وهي وسائل للاحتكام إلى الشعب أو القضاء عند الأزمة.
II. القائد: واقع الممارسة.
- A. الرئاسوية الأغلبية: بفضل الانتخاب المباشر (1962) والأغلبية الموالية والولاية الخماسية، يحدد الرئيس السياسة العامة ويختار رئيس الوزراء ويطلب استقالته.
- B. حدود الرئاسوية: في التعايش (1986، 1993، 1997) يعود الرئيس إلى دور الحكم مع مجال محفوظ؛ وفي غياب الأغلبية المطلقة (منذ 2022) تضعف قدرته على تنفيذ برنامجه.
الخاتمة. الرئيس الفرنسي حكم في النص وقائد في الممارسة، وتتوقف مكانته على الأغلبية البرلمانية؛ وهذا ما يجعل النظام نظاما شبه رئاسي ذا قراءتين.
Exercice 2 — سلطة خاصة أم مشتركة؟
- حل الجمعية الوطنية؛ 2) تعيين وزير الداخلية؛ 3) إحالة قانون على المجلس الدستوري؛ 4) توقيع مرسوم يتعلق بالتعيين في وظيفة مدنية عليا؛ 5) اللجوء إلى الفصل 16.
Voir le corrigé
- خاصة (الفصل 12). 2) مشتركة: باقتراح من رئيس الوزراء ومع التوقيع بالعطف. 3) خاصة (الفصل 61). 4) مشتركة. 5) خاصة، بعد استشارات رسمية.
Exercice 3 — صحيح أم خطأ
- يحدد رئيس الجمهورية سياسة الأمة حسب نص الدستور. 2) يمكن للوزير أن يبقى نائبا في الجمعية الوطنية. 3) عرفت فرنسا ثلاث فترات تعايش. 4) أصبح المجلس الدستوري حاميا للحريات بعد قرار 1971. 5) لا يمكن للمتقاضي أن يثير عدم دستورية قانون ساري المفعول.
Voir le corrigé
- خطأ: الحكومة هي التي تحدد سياسة الأمة (الفصل 20). 2) خطأ: منع الجمع (الفصل 23). 3) صحيح. 4) صحيح. 5) خطأ: المسألة الأولوية للدستورية منذ 2010.
الخلاصة — الجمهورية الخامسة
- النشأة: أزمة الجمهورية الرابعة (عدم الاستقرار، الأزمة الجزائرية)، عودة دوغول، دستور 4 أكتوبر 1958 (خطاب بايو، ميشيل دوبري).
- المراجعات: 1962 (انتخاب الرئيس مباشرة)، 1974 (إحالة 60 نائبا أو شيخا)، 2000 (الولاية الخماسية)، 2008 (تعزيز البرلمان، ولايتان، المسألة الأولوية للدستورية).
- الرئيس: 5 سنوات، اقتراع مباشر في دورتين؛ الحكم والضامن (الفصل 5)؛ سلطات خاصة دون توقيع بالعطف (الفصل 19): تعيين رئيس الوزراء (8)، الاستفتاء (11)، الحل (12)، السلطات الاستثنائية (16)؛ غير مسؤول، العزل عبر المحكمة العليا (68).
- الحكومة: «تحدد سياسة الأمة وتديرها» (الفصل 20)؛ رئيس الوزراء يمارس السلطة التنظيمية (21)؛ منع الجمع مع العضوية البرلمانية (23)؛ مسؤولة أمام الجمعية الوطنية (الفصل 49، بما فيه الفقرة 3).
- البرلمان: الجمعية الوطنية (577) لها الكلمة الأخيرة؛ مجلس الشيوخ (348) يمثل الجماعات الترابية.
- البرلمانية المعقلنة: تحديد مجال القانون (34) والتنظيم (37)، الأوامر (38)، الفصل 40، التصويت المغلق (44-3)، شروط ملتمس الرقابة، المجلس الدستوري.
- الممارسة: رئاسوية أغلبية عند التوافق؛ التعايش (1986، 1993، 1997) مع مجال محفوظ؛ غياب الأغلبية المطلقة منذ 2022 وإسقاط حكومة في دجنبر 2024؛ نظام «ذو قراءتين» (دوفرجيه: شبه رئاسي).
- المجلس الدستوري: 9 أعضاء لـ9 سنوات؛ قرار 16 يوليوز 1971 (الكتلة الدستورية)؛ المسألة الأولوية للدستورية (الفصل 61-1، 2010)؛ تأثير واضح على الدستور المغربي (الفصول 71 و72 و133).