المرفق العام: المفهوم والأنواع والمبادئ
أهداف الفصل — في نهاية هذا الفصل ستكون قادرا على:
- تعريف المرفق العام بمعياريه العضوي والمادي؛
- تتبع تطور فكرة المرفق العام ومكانتها في القانون الإداري؛
- التمييز بين أنواع المرافق العامة؛
- شرح إحداث المرافق العامة وإلغائها؛
- تحليل المبادئ الأساسية للمرافق العامة: الاستمرارية، المساواة، التكيف، الحياد، الجودة؛
- تقديم ميثاق المرافق العمومية (القانون 54.19) وحقوق المرتفقين.
3.1 تعريف المرفق العام
المعيار العضوي: المرفق العام هو الجهاز أو الهيئة التابعة لشخص عام (الدولة، الجماعة الترابية، المؤسسة العمومية) التي تقدم خدمة للجمهور؛ مثل: الإدارة الجبائية، المستشفى العمومي، المدرسة العمومية.
المعيار المادي (الوظيفي): المرفق العام هو النشاط الذي يهدف إلى إشباع حاجة عامة، تتولاه الإدارة مباشرة أو تشرف عليه وتراقبه، ويخضع ولو جزئيا لنظام قانوني خاص؛ ولو تولاه شخص خاص (شركة مفوض لها تدبير الماء والكهرباء، شركة النقل الحضري).
التعريف التركيبي: المرفق العام نشاط ذو منفعة عامة يتولاه شخص عام أو يعهد به إلى شخص خاص تحت إشرافه ورقابته، ويخضع لنظام قانوني يتضمن امتيازات والتزامات خاصة.
العناصر:
- هدف المنفعة العامة: إشباع حاجة جماعية (التعليم، الصحة، النقل، الأمن، الماء)؛
- ارتباط بشخص عام: إما بالتسيير المباشر، أو بالإحداث والمراقبة؛
- نظام قانوني خاص: امتيازات السلطة العامة (نزع الملكية، الضبط، التحصيل الجبري) والتزامات المرفق العام (الاستمرارية، المساواة).
3.2 تطور فكرة المرفق العام
مدرسة المرفق العام: في بداية القرن العشرين، جعل الفقيه الفرنسي ليون دوجي وتلامذته (مدرسة بوردو) من المرفق العام أساس القانون الإداري ومعيار تطبيقه واختصاص القاضي الإداري: «الدولة ليست سلطة تأمر، بل مجموعة مرافق عامة تنظمها وتراقبها الحكومات»؛ واستندت إلى قرار بلانكو (محكمة التنازع الفرنسية، 1873) الذي ربط اختصاص القاضي الإداري بمسؤولية الدولة عن المرافق العامة.
أزمة المرفق العام: مع توسع تدخل الدولة في المجال الاقتصادي (المرافق الصناعية والتجارية التي تخضع في جزء كبير منها للقانون الخاص)، وإسناد المرافق إلى أشخاص خاصة، وتدخل أشخاص عامة في أنشطة غير مرفقية، لم يعد المرفق العام معيارا كافيا وحده، فتحدث الفقه عن أزمة المفهوم.
المكانة الحالية: يبقى المرفق العام مفهوما محوريا، يجمع مع السلطة العامة معايير القانون الإداري؛ وقد دستره المغرب في الباب الثاني عشر من دستور 2011 (الحكامة الجيدة، الفصول 154 إلى 160)، وخصه بـميثاق (القانون 54.19).
3.3 أنواع المرافق العامة
حسب الطبيعة:
- المرافق الإدارية: تتعلق بالوظائف التقليدية للدولة أو بخدمات غير تجارية (الدفاع، الأمن، العدالة، التعليم، الصحة العمومية)؛ وتخضع أساسا لـالقانون العام؛
- المرافق الصناعية والتجارية: تمارس نشاطا اقتصاديا مماثلا لنشاط المقاولات الخاصة (الماء والكهرباء، النقل، الاتصالات سابقا)، وتمول أساسا من مقابل يؤديه المرتفقون؛ وتخضع في علاقتها بالمرتفقين للقانون الخاص غالبا، مع بقاء عناصر من القانون العام (التنظيم، الامتيازات)؛
- المرافق الاجتماعية: الحماية الاجتماعية، التعاضد؛ والمرافق المهنية: تنظيم المهن (هيئات المحامين، الأطباء، الصيادلة).
حسب النطاق الترابي: مرافق وطنية (الدفاع، العدل) وترابية (جهوية، إقليمية، جماعية: النقل الحضري، النظافة، الإنارة العمومية).
حسب الإلزام: مرافق إلزامية يجب على الشخص العام إحداثها (الأمن، العدل، الحالة المدنية، التعليم الأساسي) ومرافق اختيارية يقدر ملاءمة إحداثها (المسابح العمومية، المسارح البلدية).
3.4 إحداث المرافق العامة وإلغاؤها
الإحداث: يتم إحداث المرفق العام بـقانون أو بناء على قانون عندما يتعلق الأمر بمرافق وطنية أساسية أو عندما يقتضي ذلك إحداث شخص اعتباري عام (إحداث فئات المؤسسات العمومية من مجال القانون حسب الفصل 71)؛ وبـمرسوم أو مقرر تنظيمي في الحالات الأخرى؛ وتحدث الجماعات الترابية المرافق العمومية المحلية بـمقررات مجالسها في حدود اختصاصاتها (المادة 83 من القانون التنظيمي 113.14 بالنسبة للجماعات).
الإلغاء: يتم بالأداة نفسها التي أحدث بها المرفق (توازي الأشكال)، ويخضع لتقدير الإدارة؛ ولا يملك المرتفقون حقا مكتسبا في بقاء المرفق، إلا إذا كان المرفق إلزاميا قانونا.
المبادرة الاقتصادية العامة: لا يجوز للشخص العام أن يحدث مرفقا ينافس المبادرة الخاصة إلا لوجود مصلحة عامة تبرره، احتراما لـحرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر (الفصل 35)؛ وتطبق قواعد المنافسة (القانون 104.12) على الأشخاص العامة عند ممارستها لأنشطة إنتاج وتوزيع وخدمات.
3.5 المبادئ الأساسية للمرافق العامة
يعرف الفقه هذه المبادئ بـ«قوانين رولان» (نسبة إلى الفقيه الفرنسي لويس رولان)، وقد دسترها المغرب في الفصل 154: «يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات. تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور».
1. مبدأ الاستمرارية: يجب أن يعمل المرفق العام بانتظام ودون انقطاع، لأن الحاجات التي يشبعها دائمة؛ ومن نتائجه:
- تنظيم الإضراب في المرافق العامة، وفرض الحد الأدنى من الخدمة في المرافق الحيوية (القانون التنظيمي 97.15)؛
- قواعد الاستقالة في الوظيفة العمومية (لا تصبح نافذة إلا بقبولها)؛
- نظرية الموظف الفعلي (صحة أعمال من مارس الوظيفة دون سند صحيح في الظروف الاستثنائية)؛
- نظرية الظروف الطارئة في العقود الإدارية لضمان استمرار المتعاقد في التنفيذ.
2. مبدأ المساواة: يجب أن يعامل جميع المرتفقين بالتساوي في الولوج إلى المرفق وفي الاستفادة من خدماته وفي تحمل أعبائه، دون تمييز؛ لكن المساواة لا تمنع التمييز المبرر بـاختلاف الوضعيات (تعريفات اجتماعية لذوي الدخل المحدود، أولوية لذوي الإعاقة) أو بـالمصلحة العامة؛ ويتفرع عنه الإنصاف الترابي في تغطية التراب الوطني.
3. مبدأ التكيف (القابلية للتغيير): يجوز للإدارة تعديل تنظيم المرفق وطرق تسييره في أي وقت، لـتكييفه مع تطور الحاجات والتقنيات (رقمنة الخدمات، تغيير مواعيد العمل)؛ ولا يملك المرتفقون ولا المتعاقدون حقا مكتسبا في بقاء التنظيم السابق؛ وهو أساس سلطة التعديل الانفرادي للعقود الإدارية (مع التعويض).
4. مبدأ الحياد (الفصل 155): «يمارس أعوان المرافق العمومية وظائفهم وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة»؛ فلا يجوز للمرفق أن يميز بين المرتفقين بسبب آرائهم السياسية أو الدينية.
5. مبادئ الجودة والشفافية والمحاسبة: تفرض على المرافق معايير جودة الخدمة، والشفافية في التسيير (نشر المعلومات، تعليل القرارات)، والمحاسبة عن تدبيرها؛ ويتعين عليها تلقي ملاحظات المرتفقين واقتراحاتهم وتظلماتهم وتأمين تتبعها (الفصل 156)، وتقديم الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية.
3.6 ميثاق المرافق العمومية وحقوق المرتفقين
القانون 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية (2021)، تطبيقا لـالفصل 157 من الدستور: يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية؛ ومن أهم مضامينه:
- تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، ورقمنة الخدمات؛
- الاستقبال وحسن المعاملة، وتحديد آجال معالجة الطلبات؛
- التظلم وتلقي الشكايات ومعالجتها، وتقييم رضا المرتفقين؛
- ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم أداء المرافق؛
- أخلاقيات المرفق العام وقيم الأعوان.
نصوص مكملة: القانون 55.19 المتعلق بـتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية (2020): منع مطالبة المرتفق بوثائق تتوفر عليها الإدارة، اعتبار سكوت الإدارة في بعض الحالات قبولا، نشر المساطر في بوابة وطنية؛ والقانون 31.13 حول الحق في الحصول على المعلومات؛ ومؤسسة الوسيط (الفصل 162) التي تتلقى تظلمات المرتفقين.
3.7 منهجية: هل يتعلق الأمر بمرفق عام؟
- هل يهدف النشاط إلى منفعة عامة؟
- ما علاقته بشخص عام؟ تسيير مباشر، أو إحداث وإشراف ومراقبة.
- هل يخضع لنظام قانوني خاص؟ امتيازات أو التزامات المرفق العام.
- ما نوعه؟ إداري أو صناعي وتجاري، وطني أو ترابي، إلزامي أو اختياري.
- ما المبادئ التي يجب احترامها وما النظام القانوني المطبق والقاضي المختص؟
أخطاء شائعة يجب تجنبها
- حصر المرفق العام في المعيار العضوي: يمكن أن يتولاه شخص خاص.
- اعتبار المرفق الصناعي والتجاري خاضعا كليا للقانون العام.
- اعتبار مبدأ المساواة مانعا لكل تمييز مبرر (التعريفات الاجتماعية).
- القول إن للمرتفق حقا مكتسبا في بقاء تنظيم المرفق.
- نسيان دسترة المبادئ في الفصول 154 إلى 157 والقانون 54.19.
Exercice 1 — نازلة
- قررت شركة مفوض لها تدبير النقل الحضري وقف الخدمة كليا لمدة يومين للضغط على الجماعة من أجل رفع التعريفة.
- حددت جماعة تعريفة أقل للولوج إلى المسبح البلدي لفائدة الطلبة وذوي الإعاقة.
- قررت إدارة إلغاء الإيداع الورقي لطلبات الرخص واعتماد المنصة الإلكترونية فقط، فاحتج مرتفقون.
- رفض عون بمستشفى عمومي استقبال مريض بسبب انتمائه السياسي. حدد المبادئ المعنية وقيم مشروعية كل تصرف.
Voir le corrigé
1. وقف النقل. خرق مبدأ الاستمرارية: المرفق يجب أن يعمل بانتظام ودون انقطاع، ولو تولاه مفوض له؛ فلا يجوز للمتعاقد وقف الخدمة كوسيلة ضغط، بل عليه اللجوء إلى آليات المراجعة التعاقدية أو القضاء (التوازن المالي)؛ وللجماعة توقيع جزاءات (الغرامات، الحلول، وفي الحالات الخطيرة الإسقاط).
2. التعريفة المخفضة. لا تخرق المساواة، لأنها تمييز مبرر باختلاف الوضعيات (الطلبة، ذوو الإعاقة) وبـمصلحة عامة اجتماعية؛ بشرط أن تطبق على كل من يوجد في الوضعية نفسها.
3. الرقمنة. تطبيق لـمبدأ التكيف: للإدارة أن تعدل طرق تسيير المرفق لمواكبة التطور، ولا حق مكتسب للمرتفقين في الطريقة السابقة؛ لكن مبدأ المساواة والإنصاف يقتضي مراعاة من لا يستطيعون الولوج الرقمي (توفير مواكبة أو شبابيك مساعدة)، انسجاما مع ميثاق المرافق العمومية.
4. رفض المريض. خرق صريح لمبدأي المساواة والحياد (الفصلان 154 و155)، ومساس بـالحق في العلاج (الفصل 31)؛ ويعرض العون لـالمساءلة التأديبية، والإدارة لـالمسؤولية، ويمكن للمريض التظلم لدى الإدارة ومؤسسة الوسيط أو اللجوء إلى القضاء.
Exercice 2 — نوع المرفق
صنف: 1) التعليم الابتدائي العمومي؛ 2) توزيع الكهرباء بمقابل؛ 3) هيئة المحامين؛ 4) المسبح البلدي؛ 5) الحالة المدنية.
Voir le corrigé
- إداري، وطني، إلزامي. 2) صناعي وتجاري. 3) مهني. 4) اختياري، ترابي. 5) إداري، إلزامي.
Exercice 3 — أي مبدأ؟
- فرض حد أدنى من الخدمة في المستشفيات خلال الإضراب؛ 2) تغيير مواعيد فتح الإدارة لملاءمة حاجات المرتفقين؛ 3) منع رفض خدمة مرتفق بسبب رأيه السياسي؛ 4) تعريفة مخفضة لذوي الإعاقة.
Voir le corrigé
- الاستمرارية. 2) التكيف. 3) الحياد والمساواة. 4) المساواة مع التمييز المبرر.
الخلاصة — المرفق العام
- التعريف: عضوي (جهاز تابع لشخص عام) ومادي (نشاط لمنفعة عامة ولو تولاه خاص)؛ العناصر: المنفعة العامة، الارتباط بشخص عام، نظام قانوني خاص (امتيازات والتزامات).
- التطور: دوجي ومدرسة بوردو، قرار بلانكو (1873)؛ أزمة المفهوم مع المرافق الصناعية والتجارية والتفويض؛ دسترة المبادئ في الباب الثاني عشر (2011).
- الأنواع: إدارية (القانون العام) وصناعية وتجارية (القانون الخاص غالبا في العلاقة بالمرتفقين) واجتماعية ومهنية؛ وطنية وترابية؛ إلزامية واختيارية.
- الإحداث: بقانون عند إحداث فئة من الأشخاص العامة (71) أو بمرسوم أو مقرر؛ الجماعات بمقررات مجالسها (المادة 83 من 113.14)؛ الإلغاء بتوازي الأشكال، لا حق مكتسب في البقاء؛ احترام حرية المبادرة (35) والمنافسة (104.12).
- الاستمرارية: الحد الأدنى من الخدمة في الإضراب (97.15)، قواعد الاستقالة، الموظف الفعلي، الظروف الطارئة.
- المساواة والإنصاف الترابي (154)، مع التمييز المبرر باختلاف الوضعيات أو المصلحة العامة؛ التكيف: التعديل في أي وقت دون حق مكتسب للمرتفقين أو المتعاقدين.
- الحياد والنزاهة (155)، الجودة والشفافية والمحاسبة (154)، تلقي التظلمات (156)، الميثاق (157).
- القانون 54.19 (ميثاق المرافق العمومية، 2021): التبسيط، الرقمنة، الاستقبال، الآجال، التظلم، التقييم، الأخلاقيات؛ القانون 55.19 (تبسيط المساطر، السكوت قبولا في حالات)، القانون 31.13، الوسيط (162).